التقرير السنوي للبنك المركزي: إقرار بالأزمة الاقتصادية والمالية وغياب تام للحلول

تونس – السفير

تعيش تونس على وقع أحداث متتالية وخطيرة تعكس مدى الوضع الفوضوي الذي حل بالبلاد سوف تكون له حتميا  انعكاسات خطيرة على المدى القصير والمتوسط. إن المشهد السياسي الذي تعيشه تونس اليوم تحت سقف ظاهرة “هستيريا السلطة” وصل إلى درجة من التدنّي أصبحت تمثل مصدر تخوّف و توجّس على مصير البلاد.

إن الأزمة العميقة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية التي طفحت بكل وضوح على الساحة منذ جانفي 2011 إلى اليوم كشفت القناع عن غياب أطر تفكير إستراتيجي يُحدّد المسؤوليات بكل موضوعية و يُصوّب الأخطاء بكل جرأة و يبني للنهوض بالبلاد نحو مستقبل واعد. لا شك أن غياب هذه الأُطر الإستراتيجية ناتج عن إرادة سياسية تُحرّكها مصالح أقليات داخلية و قوى خارجية تُمعن في البقاء على هذا الوضع  و ذلك رغم ما تُوفّره المؤسسات العمومية الهامة من دراسات قيّمة و بكفاءات عالية يحقّ لنا أن نفتخر بها بصفتها نتاجا لدولة الاستقلال.

في هذا الإطار يتنزّل التقرير السنوي الذي يُصدره البنك المركزي التونسي في منتصف كل سنة حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمالي في البلاد في السنة المالية السابقة. هذا التقرير المُلمّ و الشامل الذي يعتمد آليات ومصطلحات يتم إقرارها حسب معايير المؤسسات المالية العالمية، يُقدم في مضمونه معلومات وأرقام تعكس حقيقة الوضع الاقتصادي للبلاد. غير أنه مع الأسف غالبا ما يُترك في رفوف الوزارات والإدارات العمومية من طرف كل الفاعلين في البلاد مركزيا وجهويّا. كما تتجاهله تقريبا كل الأحزاب السياسية ولا تجعل منه أداة تفكير لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية في البلاد.

طبعا نُثمّن هذا التقرير رغم التحفظات التي سوف نتعرض إليها لاحقا خاصة على مستوى التقديم والتعليق والتبريرات التي غالبا ما تُجانب أو حتى تتعارض أحيانا مع مُحتوى ما تفرزه الحقائق المُنشورة. وهي طريقة مع الأسف لا تتلاءم مع متطلبات ما يجب على مؤسسة البنك المركزي من مسؤولية الإفصاح بواقع الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد خاصة عندما يكون الأمر في مستوى الدرجة الحالية من الخطورة التي تهدد كيان الدولة و استقلالها.

  نسبة النمو ب 2,5 ٪ مقابل 1,9٪ في سنة 2017  و تراجع نسبة التشغيل ب٪35؟ مقاربة لا تستقيم    

قدّم محافظ البنك المركزي السيد مروان العباسي يوم الخميس غرة أوت الحالي التقرير السنوي  للبنك المركزي المتعلق بالسنة المالية إلى رئيس الدولة. و قد أوضح بالمناسبة حول الوضع الحالي في سنة 2019 أنه “رغم استمرار الصعوبات المالية و الاقتصادية، فإن الوضع العام في البلاد يبدو في تحسن خاصة على اثر التحسن الطفيف لقيمة الدينار و استقرار معدل التضخم”؟ بدون تعليق لأن نسبة التضخم ما زالت مرتفعة و تحسن قيمة دينار يبدو واضحا انه قرارا سياسيا في غياب مؤشرات إيجابية في سنة انتخابية.

بالرجوع إلى التقرير السنوي  يتبين أن نسبة النمو ارتفعت إلى 2,5 ٪  مقابل 1,9٪  في سنة 2017.  . غير أن التقرير بين “أن صافي إحداثات الشغل تراجع من حوالي 43 ألف موطن شغل في سنة 2017 إلى قرابة 28 ألف موطن شغل فقط في سنة 2018” أي تقلص نسبة إحداث مواطن الشغل الصافية بنسبة 35 ٪ في سنة 2018 مقارنة بسنة 2017 . بمعنى يحصل في تونس فقط ارتفاع نسبة النمو مقابل تقلص في إحداث مواطن الشغل؟

و قد علل التقرير هذا التراجع بكونه ناتج عن تنامي خسائر مواطن الشغل في القطاع الفلاحي (الذي حقق نسبة نمو للقيمة المضافة ب9,8 ٪؟) هذه الخسائر تراجعت سلبيا من -12,2 ألف في سنة 2017 إلى -14,2 ألف في سنة 2018.

كما بين التقرير أن تقلص إحداث مواطن الشغل نتج أيضا عن تراجع على مستوى قطاع الصناعات المعملية المقيمة منها و غير المقيمة من 19 ألف موطن شغل محدث في سنة 2017 إلى 8,7 آلاف موطن شغل في سنة 2018 أي تراجع بنسبة تفوق 54 ٪؟ هذا التراجع شمل أهم فروع قطاع الصناعة من بينها قطاع الصناعات الغذائية (-1,7 ألف موطن شغل) وهي صناعات محلية و الصناعات الميكانيكية و الكهربائية وهي صناعات غير مقيمة مما يؤكد أن تراجع إحداث مواطن الشغل الصافي يشمل المؤسسات المقيمة و غير المقيمة. كما شهد قطاع البناء و الأشغال العمومية تراجعا هاما من 20,7 موطن شغل محدث في سنة 2017 إلى  8,9 آلاف سنة 2018 ؟. أم قطاع الخدمات فقد تراجع إلى مستوى 10,7 آلاف موطن شغل مقابل 32,1 ألف في سنة 2017؟

إضافة إلى هذا الوضع الصعب أكد تقرير البنك المركزي على أنه “في سنة 2018 تواصل التفاوت بين المناطق في تعداد نسبة البطالة حيث استقرت النسبة في حدود 9,7٪ و 10٪ في منطقتي الشمال الشرقي و الوسط الشرقي فيما عرفت منطقتا الجنوب الشرقي و الجنوب الغربي كالعادة أعلى نسب للبطالة في حدود 23,9 ٪ و 26,3 ٪.

عندما نعلم أنه سنويا هناك تقريبا 80 ألف طالب شغل جديد من بينهم 70 ألف من خريجي التعليم العالي زيادة على عدد العاطلين المتراكم في حدود 645 ألف مواطن حسب تقرير البنك المركزي و الذي تقيمه بعض المصادر الجدية الأخرى في حدود 800 ألف مواطن، نتبين مدى عُقم المنوال التنموي المعتمد منذ ثلاثة عقود على الأقل لدفع التنمية في القطاعات الأساسية المنتجة الفلاحية و الصناعية و الخدماتية و خلق الثروة الوطنية و مواطن الشغل  المستديمة و ذات القيمة العلمية.

الموارد المالية الوطنية تُستثمر في التوريد الفوضوي و تُهمّش القطاع الفلاحي و الصناعي 

ما أفضت إليه حصيلة نتائج القطاعات المنتجة خاصة في ميدان الفلاحة و الصيد البحري و في ميدان الصناعة ليس من باب الصدفة بل هو نتيجة حتمية لسياسة ممنهجة ساهم صندوق النقد الدولي و الاتحاد الأوروبي بتواطئ مع الأقليات المحلية المستفيدة من هذا التوجه بصفة فعالة في تعميقه سعيا لتدمير النسيج المنتج المحلي ليتم تعويضه بالمنتوجات الموردة. هذا التوجه تُؤكده كل المعطيات الخاصة بتعميق العجز التجاري في النظام العام الذي ارتفع من 4,1 مليار دينار في سنة 1998 إلى 12,8  مليار دينار في سنة 2010 و إلى 29,2 مليار دينار في سنة 2018 حسب إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء و التي أكدتها كل التقارير السنوية للبنك المركزي التونسي.

هذه التوجه الذي دمر القطاعات المنتجة الوطنية أدى إلى تعميق المديونية في البلاد حيث كانت في حدود 4 مليار دينار في سنة 1985 و ارتفعت إلى 25 مليار دينار سنة 2010 و التي سوف تكون في حدود 82 مليار دينار حسبما جاء في قانون المالية لسنة 2019؟

ما جاء في التقرير السنوي للبنك المركزي حول تفاصيل توزيع قائم القروض المُسندة من طرف البنوك للاقتصاد حسب القطاعات و حسب المؤسسات العمومية و الخاصة (من الصفحة 138 إلى الصفحة 145) دليل قاطع على تشجيع التجارة في قطاع التوريد على حساب مزيد تهميش القطاعات المنتجة، و دليل قاطع على تغول القطاع الخاص المُحتكر من طرف بعض العائلات بنسبة تفوق 51 ٪ على حساب القطاع العمومي و على حساب المؤسسات الصغرى و المتوسطة و صغار المهنيين.

  • حيث يتبين أنه من مجموع مبلغ 65 مليار دينار موزعة بين القطاعات الاقتصادية في سنة 2018 لا يتحصل قطاع الفلاحة و الصيد البحري إلا على 2,7 مليار دينار أي بنسبة 4,2 ٪ في بلد يساهم قطاع الفلاحة سنويا بنسبة تقدر بأكثر من 9 ٪ في الناتج المحلي الإجمالي و في بلد له 1.300 كلم شريط ساحلي له إمكانيات كبرى في إنتاج الصيد البحري مهدورة لقلة المورد المالية المخصصة لهذا القطاع الأساسي.
  • كما يتبين أن قطاع الصناعة بشقيه المعملي و المنجمي تحصل على 24,4 مليار دينار اي بنسبة 37,6 ٪ من مجموع القروض الموزعة.
  • بينما يتحصل قطاع الخدمات على مبلغ 37,8 مليار دينار أي بنسبة 58,2 ٪ من بينها 14,2 مليار دينار في قطاع التجارة و التوريد بنسبة تناهز 22٪، و 4,5 مليار دينار في قطاع النزل و المطاعم أي بنسبة تناهز 7٪ من مجموع القروض الموزعة و بمبلغ يناهز ضعف ما يتحصل عليه قطاع الفلاحة و الصيد البحري؟
  • إضافة إلى ذلك يبين التقرير أن توزيع القروض الإجمالية التي تعد 65 مليار دينار في سنة 2018 بين المؤسسات العمومية و المؤسسات الخاصة كان نصيب القطاع العمومي منها في حدود 5,2 مليار دينار فقط أي بنسبة 7,9 ٪ مقابل 59,9 مليار دينار للقطاع الخاص من بينها 33,8 مليار دينار تتحصل عليها مجموعات عائلية ضيقة. بما معناه أن 52 ٪ من مجموع القروض البنكية تستفرد بها عائلات ضيقة و لا تستغلها في دعم الاستثمار و الإنتاج الوطني و خلق مواطن الشغل و إنما تستعمل بالأساس في النشاط التجاري عند التوريد بما فيها توريد السيارات و المواد المنزلية و غيرها. هذا التصرف عرفت اليونان مثيله على مدى عدة عقود و بين أن القروض المُحملة على الدولة توزع بنسبة 90 ٪ على القطاع الخاص عبر البنوك الخاصة ليتم استعمالها حصريا في تجارة المنتوجات الموردة على حساب الإنتاج المحلي و ليتم أيضا تهريب جزءا كبيرا منها إلى الخارج عبر الترفيع في فواتير التوريد. بينما لا تتحصل خزينة الدولة اليونانية إلا 10 ٪ من هذه القروض التي تعد أكثر من 250 مليار يورو. أخشى ما نخشاه أن هذا السيناريو الخطير يجري حاليا في تونس بنفس الطريقة الشيء الذي يهدد كيان الدولة و مستقبل أجيال تونس.

خلاصة القول حول التقرير السنوي للبنك المركزي هو انه يحتوي على معلومات اقتصادية و مالية و اجتماعية غاية في الأهمية تُبيّن عقم المنوال التنموي للبلاد و يمكن استغلاله من أجل الإنقاذ و الإصلاح و التصويب نحو اقتصاد منتج للقيمة المضافة و الثروة و مواطن الشغل. غير أن البنك المركزي جعل منه شكلا تقريرا أخرسا تقرأ المؤشرات في جداوله أفقيا و لا تقرأ عموديا، يحمل أهميته في طيّاته و لا يتم استغلاله بالوجه المطلوب خاصة من طرف مجلس التحاليل الاقتصادية الذي يلتزم صمت رهيب و مستراب حول هذا الموضوع.

كل ذلك يجري في غياب تام لبرامج إنقاذ وطني حيث بالتوازي مع تهافت الأحزاب و الأشخاص على الترشح للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها و الانتخابات التشريعية القادمة لم يتقدم أي حزب إلى اليوم ببرنامج واضح و وجدي من شأنه أن يُخرج البلاد من هذا المستنقع الخطير. ما يجري من فوضى عارمة و تشرذم للمشهد السياسي يُنبئ بكل أسف بالمزيد من تعميق الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية في البلاد مما سيفضي في أحسن الحالات إلى الدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة سابقة لأوانها و في أسوئها لا سمح الله إلى انفجار انتفاضة شعبية عارمة و فوضى لا تتحمل عبئها البلاد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: