المختار غميض: المفاجآت الثلاث في انتصار غزة !

تونس – السفير – المختار غميض

حتما لم تكن تنويها حربا، أو لنسمي الأشياء بمسمياتها، لم يكن الكيان الصهيوني ينوي أن ينفذ عدوانا طويلا على قطاع غزة، إنه أرادها فقط أن تكون ما يسمى في المعجم المصطلحي الحربي الحديث، بالعملية الخاطفة؛ نظيفة، ذكية، تقوم على خطة توغل بري سريع في مهمة محددة سلفا أقرب للمكيدة أو الشباك

بقلم: المختار غميض

خطف قيادات مقاومة كبرى ثم العودة إلى القواعد غانمين سالمين كورقة ضغط لاستبدالهم بأسراهم في غزة أو لمساومة الأسرى الفلسطينيين.. كان ذلك هدفهم، حلمهم، فهزيمتهم. إنه درس جديد من دروس المقاومة في ثلاث رسائل، أوّلها اليقظة، ثم الكثافة فالدقة.

بالمرصاد

الحدث المفاجئ للجميع أذيع مساء يوم الأحد المنقضي قرابة الساعة التاسعة؛ قوة صهيوينة خاصة تسلل شرق مدينة خانيونس وتغتال عددا ستة مقاومين والقائد الميداني نور بركة، اكتشفت المقاومة الأمر وطاردت العصابة واشتبكت لساعات رغم تدخل الغطاء الجوي المكثف لسلاح الجو المعادي لتأمين هروب القوة، لكنه فشل من حيث الأداء، فلا نجح في تأمينهم من حيث السرعة التوقيت، ولا من حيث اختطاف مقاومين أحياء أو متوفين، رغم تنفيذه أكثر من 35 غارة في محيط مكان العملية ! لكن الأدهى هو خسائرهم التي مُنيوا بها..

لقد تم قتل قائد وتدمير سيارة وعتاد وهو ما ظهر في مسرح عمليتهم الغبية.. ‏الاحتلال وكعادته يحاول تقليص عدد ضحاياه لكنه اعترف بالضربة الموجعة، فأقر إعلامه بمقتل ضابط برتبة مقدم خلال الاشتباكات، ونعاه وزير الحرب الصهيوني افغدور ليبرمان بقوله: “لقد خسر شعب “إسرائيل” مقاتلا صاحب أعمال جليلة ستبقى محاطة بالسرية في أمن الدولة سرية لسنوات قادمة ! ‏اذا، لا شك أن ضربة المقاومة الفلسطينية موجعة ومفاجئة تماما كالعملية الجبانة، فالأمر يتعلق بإحباط مخطط أمني استخباري صهيوني كبير بقطاع ‎غزة، تكشف ذلك القوة المتسللة إلى القطاع فهم مجموعة من الضباط، مدججين بمعدات إلكترونية ومركبات، لولا ألطاف الله بعباده المقاومين على الثغور فكانت لهم بالمرصاد، وكانت يقظتهم مقبرة للغزاة.. وهو عنوان هذه الغزوة إذا صح التعبير.

راهن العدو على وبئس الرهان على غفوة المقاومين أو تغافلهم لمفاجئتهم على حين غرة، لكن المقاومة كانت حاضرة في كل آن وحين. ظنوها نزهة في رام الله كما يفعلون في الضفة الغربية حيث يسرحون ويمرحون، حتى إذا دخلوا غزة أُطبق عليهم الخناق من كل جانب وأصبحت عودتهم سالمين حلما يراودهم، لكنهم عادوا عشاء يبكون، في ظل تخاذل عربي قديم جديد، مدوا فيه أيديهم الطويلة في دول عربية واسلامية وغربية دون حساب ولا سابقة عذاب، لكن غزة كانت بالمرصاد وقطعت أيديهم..إنها رسالة قوية واضحة، لا تقيسوا يقظة المقاومة على مدار الساعة..

ولهم في عدوان 2014 خير مثال عندما فشلوا في تهديدهم بالتوغل البري.

الكثافة النارية

كادت عملية الاختطاف الفاشلة أن تتحول إلى حرب شاملة لكن عدة عوامل حالت دون ذلك. العدو بديهيا يعلم أن ليس في غزة بنك أهداف معلوم، غير المباني والأبرياء.. لذلك صب جام غضبه على مبنى فضائية المقاومة بغزة.

ذلك ربما ما جعل العدو يفكر في العمليات الخاطفة التي تبدو ناجعة وأقل تكلفة، إذا نجحت طبعا وإلا تحولت إلى هزيمة مدوية .. وهو ما حدث.

إلى ذلك يعلم الصهاينة أن نزع سلاح المقاومة الغزاوية أمر مستحيل ولو كان له ذلك لفعله دون الخوض في تداعيات ذلك على الأراضي المحتلة والمنطقة ككل، فذلك أمر تجاوزه الزمن. ويبدو أن أمر الحرب التي أشعلها وزير الدفاع افيغدور ليبرمان ويريد مواصلتها تحولت إلى نار تلفحه ورصاص مصبوب على مستوطناته، وهو ما اعترف به ليفضح قراره الغبي التي اتخذه لغاية في نفسه انتخابية على الارجح، لقد قال، نحن موجودون تحت قصف متواصل وعلينا العمل بذكاء وعدم الهرولة نحو حملة عسكرية جديدة !!

هل بعد هذا الارتباك ارتباك ؟ الاعلام العبري كذلك، بدا مرتبكا كارتباك المستوطنين وذعرهم غير المسبوق من “الألعاب النارية” كما سماها الرئيس الفلسطيني عباس يوما، أصبحت كابوسا تقظ مضاجعهم، مستوطنين وجنود إلى الملاجئ. ففي 48 ساعة فقط، تحولت سماء المنطقة المسماة غلاف غزة إلى لهيب مع كثافة نارية كبيرة بقرابة 470 صاروخا وقذيفة أمطرت المستوطنات..

الدقة

عامل ثالث مهم لا شك أن العدو استوعبه هذه المرة بدقة، إنها دقة الصواريخ في ضرب أهدافها.. يكفي أن نذكر بما قاله إعلام العدو من أن صواريخ المقاومة تستهدف مبانينهم بدقة، وهذا تطور نوعي خطير !! وخير مثال ما نقلته القناة 11 من أن الصواريخ ذات قوة تفجيرية مختلفة عن سابق المواجهات هذا يفسره تعليق التعليم مباشرة وهو قرار كان يتخذ في الخروب السابقة بعد أيام من الحرب.

هذا يضاف إليه حجم الاصابات في المستوطنين في ساعات فقط بلغة خمسين إصابة. كل ذلك مدعم بدقة التنظيم الفصائلي والغرفة النشتركة المعلن عليها وهذا ما أرعب الكيان، ناهيك عن إدخال سرايا القدس الجناح العسكري للجهاد الاسلامي، لصواريخ جديدة إلى ساحة النزال، وإمطار الاراضي المحتلة بصليات مجلجلة دوت في سماء الغلاف الغزاوي، مزمجرة بقصف “ما بعد بئر السبع وأسدود” في إطار توسيع دائرة القصف.

تلك الصليات عززتها الرشقات القسامية المعلنة من أبو عبيدة في إطار “عسقلان البداية”.. والنهاية يعلمها الله! وأكثر من مليون مستوطن يسكنون على مرمى أصغر أنواع القذائف. لكن الدقة الأكبر والمفجأة الكبرى، هو تلك التي جاءت مزدوجة، على قناة المقاومة المدمرة والتي برزت في برهة كالعنقاء من تحت الرماد، باثّة صورة تدمير حافلة نقل جنود الصهاينة فاجأت الصديق قبل العدو. بل إن المقاومة لم تستهدف حافلة الجنود الصهاينة بكل جندها ! فحيّنت الوقت المناسب لاستهداف أقل عدد، وهي رسالة أخرى واضحة من العقل المقاوم للعدو، أننا قادرون فلا تجربون، أكثر كونها اختراقا أمنيا خطيرا للمحتلين.

واقعة كمين العلم كذلك، التي أُخذت من أرشيف المقاومة قبل أشهر، لا ريب أنها زادت في هزيمة العدو النفسية كاشفة غباءه وفاضحة أمره، تظافرت مع وحدة الجبهة الداخلية للغزاويين، ومع روحهم المعنوية العالية التي ليست بالجديدة فلقد مرّ عليهم من المآسي أضعاف وأضعاف، لم يهنوا خلالها أو يحزنوا.. إنه شعب الجبارين حقا، وليخسئ المطبعون فلو كان البحر حبرا ما استوفاهم حقا.

#صحفي_إعلامي_تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: