بقلم محمد عمران كشادة: الأتراك أحفاد العثمانيين.. العودة مجددا إلى شواطئ ليبيا

تونس – السفير

لم نكن نعلم ونحن نقلب صفحات التاريخ ونقراء عن فرسان القديس يوحنا والجرائم التي ارتكبوها في حق الليبيين في طرابلس ، وكيف ان سكان تاجوراء قد طلبوا نجدة السلطان العثماني فجاء الى ليبيا اسطول بقيادة سنان باشا ومعه طرغود باشا في عام 1551م . لم نكن نعلم بان التاريخ سيعيد نفسه ، ويأتي يوم تتعرض فيه ليبيا لمؤامرة كبرى وتصبح طرابلس عرضة للتدمير وتهجير سكانها ، فنكون بحاجة الى دعم الاتراك.

بقلم: محمد عمران كشادة (صحفي ليبي)

يوم 27 نوفمبر عام 2019م عندما وقع فائز السراج مذكرتي تفاهم مع الرئيس التركي أردوغان بشأن ترسيم الحدود البحرية، واتفاق امني وعسكري .

هو يوم كان فاتحة لفصل جديد من فصول الصراع الدولي والاقليمي على النفوذ والمصالح في منطقة شرق البحر المتوسط ، وان الحدث ستكون له انعكاسات على مشهد الصراع في ليبيا المضطربة ، وسوف تصبح ليبيا بتوقيع هذه الاتفاقية طرفاً في صراعات شرق البحر المتوسط .

هذه الخطوة التاريخية تؤكد بان الدولة الليبية المنهكة من الحرب والتدخلات الاجنبية مازالت تملك زمام المبادرة ، وانها لم تخرج من خرائط الجغرافيا السياسية في منطقة البحر المتوسط وشمال افريقيا ، وان كان البعض يصفها بالدولة الفاشلة، الا انها مازالت تملك من اوراق القوة ما يمكنها من التاثير في مسار الاحداث ومواجهة التحديات.


يوم 27 نوفمبر عام 2019م وقعت الاتفاقية الليبية التركية فقذفت حجرا ثقيلا في مياه شرق البحر المتوسط حمل الى سواحل مصر وقبرص واليونان واسرائيل موجات من تسونامي تنذر بان هيكل المصالح المشتركة سوف ينهار ، وان الاتفاقية الموقعة بين هذه الدول لترسيم الحدود البحرية فيما بينها في عام 2013م قد أصبحت في مهب الريح ، فلا يمكن لأي قوة إقصاء تركيا الدولة الراسخة على خرائط الجغرافيا في شرق البحر المتوسط ، والتي منحها موقعها الاستراتيجي القدرة لان تكون حلقة وصل بين الشرق والغرب .

في يناير عام 2019م تم انشاء منتدى الغاز ليضم مصر وقبرص واليونان واسرائيل والاردن ، وظنت هذه الدول بانها قادرة على اقتسام كعكة الثروات من النفط والغاز بدون اي اعتبار لمصالح تركيا وليبيا ولبنان ، وبانها قادرة على تطويق وحصار تركيا وحرمانها من ثروات هائلة هي بامس الحاجة لها خاصة وانها تستورد حوالي 85% من احتياجاتها من الطاقة ، ولم تكن ليبيا في حساباتهم الا دولة ضعيفة فاشلة عاجزة عن مواجهتهم .

ثارت ثائرة اليونان ومصر وقبرص ، والتزمت اسرائيل الصمت مؤقتا ثم اعلنت عن موقفها الرافض للاتفاقية الليبية التركية ، وجن جنون داعمي حفتر الذين راهنوا عليه ، فلم يستطع على مدى 9 اشهر ان يدخل الى طرابلس. واصبحت طرابلس مهددة بالدمار فلم تجد حكومة الوفاق امامها من خيارات الا ان تطلب الدعم التركي عسكريا وامنيا وبشكل عاجل .

بعض شركائنا في الوطن فتحوا الباب امام التدخلات الاجنبية، فلم يتركوا دولة لها اطماع في ليبيا الا واستنجدوا بها ، مصر ، الامارات ، السعودية ، روسيا ، فرنسا ، ناهيك عن عشرات الالاف من المرتزقة من دول عربية وافريقية، بل مرتزقة روس ومن شعوب اخرى ، وعندما شنوا الحرب على طرابلس تجردوا من كل القيم والاخلاق ، واستثمروا في خطاب الكراهية ، وتضليل الناس من خلال وسائل الاعلام. ولما عجزوا عن دخول المدينة العصية قرروا وبدعم من حلفائهم ان يزيلوا طرابلس من الوجود وزعموا بان الاتراك قادمون لغزو ليبيا ، وانهم أي الاتراك يريدون ان يستعيدوا أمجاد الدولة العثمانية ، الا انهم غضوا الطرف عن ما تفعله مصر والامارات والسعودية وفرنسا وروسيا في ليبيا.

كثيرون من ظهروا علينا في القنوات الاعلامية ، وكتبوا المقالات ، واسهبوا في الشرح والتحليل عن الخطر القادم الى ليبيا ، والغزو العثماني المرتقب . لم نجد لهم صوتا لانتقاد التدخل المصري والاماراتي والفرنسي والروسي ، منذ اعوام ومصر والسعودية والامارات وفرنسا وروسيا يعبثون في ليبيا ويغذون الصراع بالمال والسلاح ، ويقفون في وجه كل المساعي لايجاد تسوية سياسية للازمة الليبية ، ويصرون على أعادة إنتاج نظام القذافي ، واقامة حكم عسكري جديد في ليبيا وعلى جثث الليبيين.

إن حكومة الوفاق وهي تطلب الدعم التركي قد استنفذت كل الحلول الممكنة مع شركائنا في الوطن الذين اصروا على الحل العسكري للازمة الليبية ، وفتحوا الابواب على مصراعيها للتدخلات الاجنبية ، وهم يتوهمون بأنهم قادرون على الحسم العسكري الذي لن يأتي ابدا. جلبوا المرتزقة من كل مكان ، واشعلوا نيران الاحقاد والعداوت بين المدن والقبائل، واصبحت ليبيا مهددة بان تصبح سوريا جديدة في شمال افريقيا .

ما قامت به حكومة الوفاق هو حق مشروع للدفاع عن طرابلس العاصمة التي يسكنها 3 ملايين نسمة والتي هدد داعموا حفتر وبشكل صريح بأنهم لن يتراجعوا عن دخولها ولو ادى الامر الى تدميرها بالكامل ، لا يمكن لعاقل ان يتصور اليوم كيف سيكون حجم الدمار والماساة ومشاهد القتل والجثث والتهجير والنزوح امام اصرار العسكر وحلفائهم على دخول طرابلس بالقوة.

إننا بامس الحاجة لدعم تركيا لخلق توازن عسكري وسياسي في مواجهة هجمة شرسة تشن علينا وبكل انواع الاسلحة، إن التاريخ سوف ينصف حكومة الوفاق لانها اتخذت قرارا شجاعا بتوقيع مذكرتي التفاهم مع تركيا وطلبت الدعم التركي لانقاذ طرابلس من الدمار ، وانقاذ حياة 3 ملايين نسمة ، ومن يريد ان يتاكد من حقيقة ذلك ، فعليه ان يمعن النظر في الفاتورة الباهظة التي دفعها الشعب الليبي منذ بدء العدوان على طرابلس في 4 ابريل عام 2019م .

كما أن قوى الثورة الوطنية في طرابلس لا تدافع فقط عن مشروع سياسي ، بل هي تدافع عن كل الشعب الليبي من حرب ابادة تشن عليه من قبل حفتر بدعم مصري اماراتي سعودي روسي فرنسي . ان وقف اطلاق النار الذي تم بالتوافق بين تركيا وروسيا في مؤتمر موسكو ليس له اي اثر على الارض ، خروقات كثيرة قامت بها قوات حفتر ، كما ان مؤتمر برلين الذي انعقد في 19 يناير عام 2020م لم يقدم اي جديد ، بل كان حلقة جديدة من حلقات مسلسل تدويل الازمة الليبية ، واتباع الدول الكبرى لسياسة الهروب الكبير الى الامام بدون ايجاد حل حقيقي للازمة الليبية، الدول الداعمة لحفتر لن تتراجع عن تحقيق اجنداتها في ليبيا ، ولا قيمة لديهم للدم الليبي ، ستعمل على كسب الوقت والاستعداد لجولة جديدة من الحرب ، وهو ما نرى نذره الان على ارض الواقع .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: