بقلم محمد عمران كشادة: مآلات الازمة الليبية في ظل الحوارات الراهنة

تونس – السفير – محمد عمران كشادة (صحفي وباحث سياسي ليبي)

يبدو بان المشهد الليبي مفتوح على كل الاحتمالات ، وان التطورات المتسارعة تؤكد بانه هناك ارادة دولية لفرض واقع جديد، الا ان خطورة ما يحدث تتمثل في اعادة هيلكة البعثة الاممية التي كانت لها مهمة دعم ومساندة ، ومنحها صلاحيات تنفيذية واستحداث منصب اداري جديد لادارة الشأن الليبي الى جانب المبعوث الاممي ، بمعنى اخر الوصاية الدولية على ليبيا. كما ان اتفاق احمد معيتيق مع ابن حفتر وبدون وجود اجماع في معسكر فبراير داعم لهذه الخطوة فان ما يحدث يشكل ارهاصات لتصدع خطير في حكومة الوفاق وقوى الثورة ، مع العلم يقينا بان اتفاق احمد معيتيق مع ابن حفتر والذي باركته روسيا هو ما سيفرض على الليبيين لاحقا، وان اختلفت الظروف والتوقيت ، او النسب في توزيع الثروة وعائدات النفط .

وعليه ولكي نشخص الواقع الليبي ، ونصف المشهد السياسي بكل ما فيه من ايجابيات او سلبيات ، او فرص لانقاذ الوطن من مصير مجهول او تحديات فاننا نبين ذلك في النقاط التالية:


1- مازال الليبيون بعيدون عن التوافق والحل السياسي للازمة الليبية، وما يحدث في مونتروا بسويسرا، وبوزنيقة في المغرب لن ياتي بجديد باستثناء اعادة تشكيل المجلس الرئاسي من رئيس ونائبين، وتشكيل حكومة تنفيذية منفصلة عن المجلس. ما يحدث هو اعادة انتاج اللاعبين المحليين في المشهد السياسي الليبي برعاية البعثة الاممية والدول الكبرى ، واعادة انتاج اللاعبين الهدف منه، اولا: ضمان تدويل الازمة الليبية ومنع الليبيين الوطنيين من التوافق وايجاد الحلول ، ثانيا: ضمان اضعاف حكومة الوفاق الشرعية وتنصل المجتمع الدولي من استحقاق تنفيذ اتفاق الصخيرات ، واعادة انتاج الاتفاق بشكل جديد والهروب الى الامام بدون محاسبة الاطراف المعرقلة وهم حفتر وحلفائه. واضعاف حكومة الوفاق الهدف منه منعها من حسم المعركة بدعم الحليف التركي وبسط سيطرتها على كامل التراب الليبي ، ثالثا: اعادة انتاج اللاعبين المحليين في المشهد السياسي الليبي لاعادة تموقع حفتر ومنع سقوطه ، بمعنى اخر استمرار الصراع بوسائل واشكال جديدة.


2- دعم المجتمع الدولي لاعادة تشكيل المجلس الرئاسي وفق تقسيم البلاد الى ثلاث اقاليم كما كان في دستور الاستقلال في عام 1951م هو تكريس للانقسام بين الليبيين ، واستمرار للصراع . كما ان خيار الثلاث اقاليم وتوزيع الثروة وفقا لهذا الخيار هو مطلب مصر وروسيا والدول الداعمة لحفتر بهدف حصولها على مكاسب اقتصادية من ثروات ليبيا .

3- مؤشرات كثيرة تؤكد بان القادم هو فرض لواقع جديد ارتكازه نظام الثلاث اقاليم في اي تسوية سياسية، او تفاهمات بين الليبيين وبرعاية دولية، وهذا يعني في حالة تم توزيع الثروة على ثلاث اقاليم تمويل الصراع محليا ، واشتعال الحرب في ليبيا باموال الليبيين انفسهم ، ما سيتم توزيعه من ثروة مثلا في برقة لن يصل منه الا القليل للمواطن البسيط، مؤكد بان حفتر سوف يستخدم الاموال في شراء الاسلحة وتمويل الحرب . ناهيك عن الفاتورة الباهظة للديون المترتبة عليه بغض النظر عن حدوث اتفاق ليبي ليبي بتحمل الدولة لها ، بمعنى اخر لابد ان يقدم حفتر لداعميه مكاسب تعويضا عن ما دفعوه من تمويل للحرب .


4- ما فعلته روسيا بعد هزيمة حفتر في حربه على طرابلس، من اعادة انتشار للفاغنر في سرت والجفرة والحقول النفطية، وخط النقل الجوي وشحن المقاتلين والاسلحة بشكل مستمر من روسيا عبر سوريا الى مطارات القرضابية والجفرة والبيضاء في ليبيا، هذا يعني بان الروس قد صنعوا منطقة عازلة بين طرفي الصراع الليبي ، والخط الاحمر الذي اعلن عنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في سيدي براني في يونيو عام 2020م هو في الاساس خط احمر روسي . ممنوع على قوات حكومة الوفاق ان تتجه شرقا لحسم المعركة وانهاء مشروع حفتر .


5- الحليف التركي يعلم جيدا بان اي مواجهة مع الروس في سرت والجفرة ستكون استنزاف استراتيجي للاتراك في ليبيا، وستجعل مهمتهم صعبة . ناهيك عن التوترات المفتعلة بين تركيا واليونان في شرق المتوسط ، وتحشيد الفرنسيين لقواتهم في لبنان وقبرص ، موقف الاتحاد الاوروبي الداعم لليونان ، كل ذلك الهدف منه اشغال تركيا عن حسم المعركة في ليبيا ، وليس فقط حرمانها من المنطقة الاقتصادية الخالصة والتنقيب عن النفط والغاز. ادراك تركيا لمخطط استنزافها في ليبيا جعلها تفكر جديا في دعم تاسيس مؤسسة عسكرية قوية ليتولى الليبيين مهمة الدفاع عن وطنهم بانفسهم وتركيا تقدم الدعم العسكري واللوجستي . هذا واضح في تصريحات خلوصي اكار وزير الدفاع التركي .


6- تطبيع الامارات مع اسرائيل وتوقيع اتفاقية السلام في واشنطن برعاية امريكية قد يطلق يد الامارات اكثر في ليبيا ، يجب ان نعلم اننا لا نواجه الامارات فقط في ليبيا بل اسرائيل ايضا، ويرى بعض المحللين بان توقيع اتفاقيات التطبيع بين الامارات والبحرين واسرائيل، وبقية الدول العربية المتوقع تطبيعها مع اسرائيل ، ليس الهدف منه تحالف اسرائيلي عربي لمواجهة ايران ، بل الهدف مواجهة تركيا، وقد اصدرت بعض مراكز الدراسات في اسرائيل تقارير ودراسات تؤكد بان الدور التركي في ليبيا تهديد لامن ومصالح اسرائيل.


7- يمكن القول بان ما يحدث من لقاءات وحوارات في المغرب وسويسرا، والجولات القادمة المتوقعة برعاية البعثة الاممية هي مجرد حلول ترقيعية مؤقتة، وان الهدف الحقيقي هو كسب الوقت والاعداد لجولة حرب اخرى قادمة، يؤكد الافريقوم بان القوات الروسية في سرت والجفرة والحقول النفطية لديها قدرات قتالية هجومية وليس وضع دفاعي فقط .


8- موقف المشري ومحمد عماري زائد بضرورة الاستفتاء على مسودة الدستور الجاهزة منذ يوليو عام 2017م، والذهاب الى انتخابات رئاسية وبرلمانية هو موقف حكيم لانه يشكل تقزيم لدور حفتر ومساعيه لحسم الصراع عسكريا في ليبيا ، الاستفتاء على الدستور صمام امان ورصاصة الرحمة الموجهة ضد داعمي الحل العسكري . بغض النظر عن اهداف او مصالح بعض النخب في معسكر فبراير التي تطالب بالانتخابات .


9- حكومة الوفاق عجزت عن استثمار انتصاراتها العسكرية على حفتر في غرب ليبيا الى مكاسب سياسية وذلك لعدة اسباب.


10- مؤشرات كثيرة تؤكد بان ليبيا تتحول الى سوريا جديدة في شمال افريقيا ، ويجب عدم الاستهانة بالتواجد الروسي على الارض الليبية.
11- الحرب في سرت والجفرة والحقول النفطية مسالة وقت ، لانها اراضي ليبية محتلة ، والروس ليسوا في موقف دفاعي فقط ، بل لديهم نوايا للهجوم ودعم حفتر عسكريا، نعم هو تحدي كبير امام قوات حكومة الوفاق ان تجد نفسها في مواجهة الروس . ما يحدث الان مخطط رهيب ، بعد فشل مشروع داعش في سرت في عام 2016م وملحمة البنيان المرصوص ، الان يتم استجلاب الروس. انه نفس المخطط وباساليب جديدة.


12- الموقف الامريكي غامض، وتمركز الروس في سرت والجفرة والحقول النفطية تم امام اعين الامريكيين ولم يحركوا ساكنا، لم نرى من الامريكيين الا التصريحات فقط ، قد تكون هناك اتفاقيات وتفاهمات سرية، او ان الامريكيين لجاؤا الى انتهاج استراتيجيات ” استعمال المخاطر لتحقيق المصالح الاقتصادية، القيادة من الخلف “.


13- خطر تنظيم داعش قائم ، خاصة بعد القبض على بعض الخلايا في مصراتة والزاوية، لابد بانه سيتم استخدام داعش من قبل اجهزة المخابرات الغربية لارباك قوى الثورة الوطنية في معركتها المصيرية.


14- التوافق الروسي الفرنسي واضح في الازمة الليبية، هذا عامل مساعد للروس في تعزيز تواجدهم في ليبيا بدون وجود اجماع اوروبي او موقف اوروبي موحد ضدهم .


15- سيناريو تقسيم ليبيا متوقع جدا ، ليس فقط بسبب الاحقاد والدماء والنعرات الجهوية وارتفاع صوت التيار الفدرالي مجددا في برقة، بل لاننا على مشارف مرحلة تاريخية تريد فيها اسرائيل ان تقود العرب ، وتصبح مركز القيادةوالتاثير في المنطقة. ادارة في امريكا يقودها ترامب متوقع منها كل شئ، ونظام السيسي مستمر في حكم مصر متوقع كل شئ ، وليس تقسيم السودان في يوليو عام 2011م عنا ببعيد. وقد تلجاء الدول الغربية التي فشلت في تقسيم ليبيا في عام 1949م عندما ظهر مشروع بيفن سيفورزا قد تلجا الى احياء سياساتها التاريخية، واليوم ليس بيننا الملك ادريس وبشير السعداوي ، وقد لا نجد في الامم المتحدة رجل مثل ايميل سان كلو.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: