مستقبل الحل السياسي الليبي مع تفشي وباء كورونا

تونس – السفير مختار غميض

لا شكّ أنّ تفشّي وباء كورونا الذي صنّفته منظمة الصحة العالمية وباء عالميا، ألقى بظلاله الثقيلة على ليبيا رغم عدم تسجيل أية إصابات لكن مخاوف انتقال العدوى للبلاد زادت من كاهل المسؤوليات الملقاة على حكومة المجلس الرئاسي، إضافة إلى مسؤوليات أخرى أهمها المحافظة على القدرات القتالية على الجبهات ضد قوات حفتر الغازية للعاصمة.


وبين العدوان على طرابلس الى حد الآن، صمودا كبيرا لمقاتلي قوات الوفاق، لم يتوقعه حفتر نفسه الذي وصفهم بالوحوش، ولم يتصوره الناطق باسمه عندما اعترف بعدد مقاتليه الذين فاقوا السبعة آلاف مقاتل قضوا على تخوم العاصمة، ولم يتصوّره حلفاء حفتر الذين ضاعفوا دعمهم العسكري مرتيّن مقارنة بالسنة الفارطة بعد ماتوقعت فرنسا انتهاء السيطرة على العاصمة في ظرف يومين.


وأمام هذا الصمود وأمام تلكإ حفتر في المضي قُدما نحو الحوار، فإن الحرب أمام ثلاثة سيناريوهات، إمّا معركة كسر عظام طويلة ومدمرة للمنطقة، وصفها الرئيس التركي “بنموذج سوريا جديد، وحمام دم غير متوقف” سيسعى لمنعه، وهو ما قد يفسر قول الرئيس الجزائري “بطرابلس خط أحمر”، و إمّا السيناريو الحالي، وهو تكافئ القوى والفرص الذي بات يتطلب مزيدا من الضغوط الفعلية الدولية على حفتر للرضوخ للسلام وتوفير مناخ الثقة بين الفرقاء وهو السيناريو الأكثر واقعية، وإمّا سيناريو دعم تركي عسكري لقوات الوفاق (التي فاجأت الجميع بما فيها قوى دولية في قدرتها القتالية رغم الهجوم المفاجئ) للتمكن من طرد قوات الكرامة إلى مراكزها قبل عدوانها وبالتالي فرض الحوار مع حفتر أو مع بديل آخر، هذا السيناريو يترجّح مع تمكن قوات الوفاق من تحييد سلاح الطيران المُسيّر عن المعارك، تبقى مسألة القذائف العشوائية التي تهدد حياة المدنيين بالدرجة الأولى فإنه لايمكن مواجهتها حسب قادة ميدانيين إلا بعمل عسكري كبير يأذن بالدخول في مرحلة الهجوم.


وفي المحصّلة، فإن إقرار مخرجات برلين بمجلس الأمن الدولي أخيرا ليس بالإنجاز الكبير مالم يتمّ ردع المعتدي وداعميه عربيا، وإلاّ فإنّ كل القرارات الدولية بما فيها حظر السلاح على ليبيا ستظل حبرا على ورق ولن يتم تطبيقها على أرض الواقع إذا استمر تضارب مصالح القوى الكبرى الإقتصادية والجيوسياسية بعيدا عما يجب فرضه على الجنرال وهو الانحياز بقوّةٍ للشرعية الدولية وقراراتها، ثم إيجاد حلّ أممي عادل كما تم في عديد التجارب في العالم، حتى عودة السيادة كاملة لدولة ليبيا بتقرير من بعثة الأمم المتحدة، وإلا فإن السيادة ستبقى منقوصة بفعل القرار 1973 مالم تعترف الأمم المتحدة بأنه لا ضرورة لوجود وصاية بفعل الفصل السابع وتسحب بقرار دولي في مجلس الأمن يمرّ باجماع أممي.


ومثل التدخل التركي إلى جانب حكومة الوفاق زلزالا هزّ أركان حلفاء الجنرال الليبي المتقاعد، ولا تزال ارتداداته مستمرة بسبب تعادل كفّة الصراع بين الفريقين الليبيَيْن، ممّا سيحتّم على القوى الدولية ضرورة البحث عن حلّ جديّ لأن كل تأخير سيقود لمزيد من الدماء والدمار، وبالتّالي لامفرّ من التأكيد على بيان الجامعة العربية الأخير بشأن ليبيا القاضي “بدعم العملية السياسية من خلال التنفيذ الكامل لاتفاق الصخّيرات باعتباره المرجعية الوحيدة للتسوية في ليبيا”، بمعنى إسقاط أهداف مشروع المحور المصري السعودي الإماراتي، الهادف لسحب الثقة من السرّاج، الأمر الكفيل بتخلي حفتر عن العمل العسكري.


وعلى عكس ذلك فإن قائد قوات الكرامة ماضٍ في الحل العسكري عبر فوّهات المدافع ومخازن الذخيرة، وهو ماقاله صراحة الناطق باسمه، لذلك ذهب لمؤتمر برلين وغيره للاستماع فقط كما قال أيضا، أو لإضاعة وقت خصمه والمرواغة العسكرية لاغير، وبالتالي بعد كل مرواغة مرواغة أخرى، ويبدو حاليا أنّه يستعد لهجوم جديد، وهو يذكّر أنصاره في الذكرى السنوية السادسة لانقلابه، أنّ السلام سيكون بجحيم القذائف، بينما ظهر مدركا لوَزن تركيا لكنّه أكّد قدرة قواته على مواجهتها ودخول طرابلس، وهذا مؤشر على أنّه لن يتخلى عن مشروعه المعلن مالم تردعه قرارات دولية قويّة أو يتخلى عنه الداعمون الذين يتخذونه مدخلا للثروات الليبية، وهذه القرارات تبدو معطلة لحد الآن نتيجة انتشار وباء كورونا المستجد الذي يرى الليبيون أنه ليس أشد فتكا من “وباء الكرامة” الذي أباح استعمال جميع الأسلحة لذلك حان وقت علاجه.


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: