موسى تيهوساي: كيف يقتل الكبت السياسي المواهب والإبداع ؟

تونس – السفير

دعونا نتناول الموضوع من الجانب الثقافي في العالم الثالث. من الواضح لأي متتبع للمشهد السينمائي الثقافي العربي إنه ومنذ أكثر من ثلاثين عاما لم تكن خشبات المسرح ولا المسلسلات العربية ذات قيمة معرفية حتى تلك التي تتحدث عن التراث خاصة العثماني منه.


موسى تيهوساي: كاتب صحفي ليبي

ولم يكن ذاك لعدم وجود الرغبة والقدرة على إنتاج أعمال قيمة تتناول الحقب التاريخية الحضارية للأمة. بل السبب الرئيسي يرجع لتضييق النظام الرسمي العربي على الفن والفنانين ما أدى إلى عدم وجود حرية كافية لتناول مختلف الزوايا التراثية وإطلاق العنان للابداع، والاكتفاء بتناول بعض القضايا التي تميل إلى وجهة نظر الحاكم .

و في أحسن الأحوال يسمح بتناول قصص قصيرة ومبتذلة تدور حول قضية حب فاشلة ومشاهد فجّة خادشة للحياء تحت مبرر الجرأة أو تتناول زوايا حروب ما قبل الإسلام. وأحيانا تقوم فكرة الفيلم على تسطيح قضايا كانت تشكل إهتمام الشارع حتى يٌصرف النّظر عنها انحيازا لرغبة السلطة.

وحتى تلك التي تبدو منفلتة عن أدبيات السياسة العامة للدولة تبقى رهينة الممول فإن شاء تكون تجارية أو ترفية فارغة المضمون أو سياسية تفوح منها رائحة التسويق الممل، ويحق لها أن تكون كل شي إلا أن تكون ذات صفة ثقافية اجتماعية أخلاقية.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، في معرض حديث له عن الفن والسينما العربية؛ إن الميدان الفني في العالم العربي خبيث التربة مختلّ الموازين إلا من عصم الله. والغريب أن يَحْدُوَهُ في طريقه الزائغ حملة اقلام تحالفوا مع الشيطان على حرب الإسلام ونسيان الله ، والشّغب على كل جديد نقي، وعلى كل قديم زكي. ويضيف، الخبير الإعلامي المصري “الدكتور محمود خليل” أن أحط التعبيرات والألفاظ الساقطة خلال الأربعين عاما الماضية كان منبعها السينما التي أصبحت بحسب قوله معرضا للغرائز والأجساد والفحش ودغدغة مشاعر المراهقين .

وفي المقابل شهدت السينما أو الدراما التركية بل والإيرانية تطورا ملفتا وأضحت منافسا عالميا في السنوات الأخيرة حيث أصبحت الدراما التركية تغزو البيوت العربية والغربية وسجلت أرقاما قياسية وبعائدات تتجاوز700مليون دولار عام 2018 وتحتل المرتبة الثانية عالميا، وقد يقول البعض الم يكن النظام في إيران شموليا واوحادي التفكير. نعم لكن المساحة في ما يتعلق بالفن والثقافة والفنون في إيران لم تتأثر بشكل كبير حيث يسمح النظام بتناول العديد من السنريوهات والزوايا ، المهم الا تمس المرشد والثورة وادبياتها.

فيما بقيت السينما أو الدراما العربية تراوح مكانها لا إنتاج مبدع ولا مضمون هادف، وفي نظري أن ذاك يرجع لكون السينما العربية هي أحد بنات السياسة للعائلة المالكة التي لا تعرف ماذا تريد وماذا يراد بها أن تصل وكيف ستصل . باستثناء ربما بعض التحارب الفردية من النقابات المهنية التي تحاول وإن بشكل خجول تقديم أعمال قيمة تتناول العديد من القضايا التي تهم المجتمع الذي يحدوه الأمل في أن يرى تقدما إيجابيا للسينما والفن في بلادنا.

إن الفن هو نوع من أنواع الترفيه والتثقيف والبناء المجتمعي بوسائل مختلفة اذا أحسن إدارته ،بدل أن يكون معولا لهدم القيم والأخلاق. لكن اذا لم يضبط بشكل مقنن فسيتحول إلى وسيلة هدم للعدات وقيم الفضيلة . كما يجب ألا يخلط بين مفهوم حرية الإبداع والتميز وبين منظومة القيم المجتمعية فليس كل مثقف يمكن أن تؤكل إليه مهمة مراعاة العادات والتقاليد حيث أن العديد ممن يعرف بالثقافة الواسعة سقط في مستنقع الانحراف السلوكي والاخلاقي عند تناوله للفن.

وكان ذلك واضحا في بعض المسلسلات المصرية التي تصور الطبقة الفقيرة التي لا تحظى باية فرصة في الحياة . وتظهر تلك المسلسلات هذه الطبقة وبشكل متعتمد من اعلى هرم السلطة على أنها عديمة الكرامة الإنسانية بل يظهرونها كالبهيمة التي تلهث وزراء رغباتها الجسدية دون أي رادع ديني أو أخلاقي.

قد يكون للفقر افرازاته وقد يكون عاملا مساعدا للانحراف السلوكي، لكن تناول الموضوع بهذه الطريقة الفجّة ليس له أي مبررات إلا كونه يخدم فلسفات الحاكم ويٌنفر بقية المجتمع من تلك الفئة المستضعفة وكأنها ليست من بني البشر أو أنها في المرتبة الأخيرة فطريا وليس بفعل الفقر. تماما كما يفعل الإعلام الرسمي فبدل أن يبحث عن كيفية اظهار معناتهم كبشر يعمق تلك النظرية بل ويزيد عليها لصق تهم الجرائم وما قبح من الأفعال بهم، وتعاني هذه الفئات ليس فقط في مصر بل في كافة البلدات التي لديها نفس الأفق السياسي الضيق ظلما كبيرا فقط بسبب أنها تقع تحت طائلة الفقر.

وتبقى الفئة الوحيدة المستفيدة من هذا الواقع بعد السلطة هي سماسرة الغزو الثقافي من العلمانيين والليبراليين العرب الذين يختزلون التغيير والانفتاح في ترك القيم الحضارية للأمة و الذوبان في وحل الانحلال والطبقية والاباحية ولا بأس بذلك في كنف الحاكم العسكري الذي يسحل الخصوم السياسيين بحجة التطرف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: