تونس – السفير
بقلم: محمد مقدمي
لا بدّ أن نذكر ما نقله أستاذ اللسانيات و الفيلسوف الأميركي “نعوم تشومسكي” في مقال “الإستراتيجيات العشر لخداع الجماهير” حيث أكّد أنّ إستراتيجيّة الالهاء هي عنصر أساسي للضبط الاجتماعي، تتمثل إستراتيجية التسلية في تحويل أنظار الرأي العام عن المشاكل الهامة والتحويلات المقررة من طرف النخب السياسية والاقتصادية، وذلك بواسطة طوفان …مستمر من الترفيهات والأخبار اللامجدية. إستراتيجية الإلهاء هي أيضا لازمة لمنع الجمهور من الاهتمام بالمعارف الأساسية، في ميادين العلوم، الاقتصاد، علم النفس، وعلم التحكمية… “الإبقاء على انتباه الجمهور مسلى، بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، مأسورا بمواضيع دون فائدة حقيقية. الحفاظ على جمهور منشغل، منشغل، منشغل، دون أدنى وقت للتفكير؛ ليرجع إلى ضيعة مع باقي الحيوانات” كما جاء في كلام تشومسكي نقلا عن نص استخباراتي “أسلحة كاتمة من أجل حروب هادئة” .
لماذا يفتح ملف الثروات في البلاد اليوم ؟ ولماذا بعد سنوات من الربيع العربي ؟ ولماذا تشتعل منطقة الحوض المنجمي و الفوار و تطاوين بعد تصريحات الأمين العام لإتّحاد الشغل بثورة اجتماعية قبل اسابيع قليلة ؟ولماذا عندما اصبح اتحاد الاعراف واتحاد الشغل في مشاحنات وهميّة بخصوص اصلاح المنظومة الجبائيّة ؟ وهل حقا هناك ارادة في فتح هذا الملف؟ ولمصلحة من؟ :
دائما ما تعاد إسطوانة إفتقار تونس من الثروات الباطنيّة و الطبيعيّة و محدوديّة انتاجها و أنّ حقيقة ثرواتها بشريّة لا غير كما تواترت هذه الأطروحة منذ “استقلال” البلاد , حيث أكّد المهدي جمعة رجل الشركات الغربية وسمسار الصفقات البترولية و قبله من الحكومات المتعاقبة , ان البلاد مفلسة وانها لا تستطيع الاستمرار الا بالتداين والاقتراض ,وهو كلام قاله قبله الشاذلي العياري مدير البنك المركزي اليوم و وزير الاقتصاد في 1974م, وقاله الخائن العميل بورقيبة من قبل و المجرم بن علي ..
وهذا الكلام ما هو الا كذب وافتراء وتضليل للناس واستمرار في حماية استعمار الغرب الكافر بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. فأزمة البلاد اليوم كما في السابق ليست ازمة قلة موارد ولا بطالة ولا تجارة موازية ولا ارهاب ولا غير ذلك من يريدون تضليل الناس به ..
والمهم قبل كل شيء انه لا يجب الحديث عن تونس وكأنها منفصلة عن باقي البلاد الاسلامية لان في ذلك اقرار بأولى ركائز الاستعمار التي اوصلتنا لهذه الحالة , بل عندما نتحدث عن هذه الأرض الطيّبة نتحدث عنها بوصفها جزء من البلاد الاسلاميّة واهلها جزءا من الامة الاسلامية.
و لا شكّ ان بلادنا غنية كما هو حال جميع بلاد المسلمين ولكنها للأسف ثرواتنا ليست ملكا لنا بل للكفار من اوروبا واميركا ويرعى هذا الاستعمار حكامنا هؤلاء فلا فرق بين من كانوا قبل ما يسمى بالربيع العربي اي بورقيبة وبن علي ,ولا بين من بعده من الحكومات المتعاقبة الى يومنا هذا ,فكلهم يدعمون مصالح الغرب في بلادنا و لعلّ المأدبة الرمضانيّة للسفير الأميركي “جاكوب والس” الصائفة الفارطة و اجتماعه بالنخبة السياسيّة خير برهان على هذا الكلام .
اما لماذا يقع تحريك الملف اليوم فواضح أنّ اميركا تريد تحوير عقود قديمة كما تريد تحوير اتفاقية سايكس بيكو بما يتماشى مع الوضع الجديد وهو تفردها بالموقف الدولي … و عند النّظر في مشروع الشرق الأوسط الجديد (ثورات الربيع العربي) فهو يؤكّد على مزيد تشجيع و تمترس الإستثمار الخارجي في منطقة الربيع العربي سعيا منهم الى تركيز ديمقراطيّتهم على حساب البلاد و العباد في اطار دفع عجلة التّنمية و إيجاد مواطن شغل قادرة على استيعاب الشباب المعطّل عن العمل , و ماهي حقيقتهم الّا لمزيد إستعباد النّاس و استغلال طاقات البلاد مقابل الفتات . هذا و بالعودة أيضا إلى الوصايا العشر لصندوق النّقد الدولي التي تمّ إرسالها في غرّة جانفي 2015 , يطرح البند الثالث إعادة هيكلة المؤسسات و تحرير ملفّ الطاقة وتشجيع الاستثمارات الأجنبيّة في هذا المجال ( مزيد إسناد رخص التنقيب والاستنزاف للشركات العملاقة ) وتطوير مواردها غير التقليدية (الطاقات المتجدّدة والبديلة: غاز الشيست أنموذجا ), و بنده العاشر الذي يؤكّد على التفويت في ما تبقّى من المؤسّسات الضّامنة منها لأكثر ربحيّة تشجيعا للخواص على إقتنائها . وطبعا لا بد ان يظهر كل ذلك استجابة لرغبة الشعوب وليس قرارا امريكيا لذلك هي تسمح لعملائها بفتح الملف و تحريك الشارع للمطالبة بحقّهم في العيش الكريم لكن في حقيقة الأمر هو تمهيد للطريق سعيا للخصخصة في شكلها الجديد و استجابة لصندوق النقد و هذا ما يجب ان ينتبه اليه المسلمون .. والانتباه لا يكون بالمطالبة بحلول جزئية على حساب المبدأ ,بل يكون بالسير في الاطاحة بهذه الانظمة كليا مع عملائها وتأسيس حكم على اساس عقيدة الامة كحلّ جذري للنهضة .
ما هي الثروات في البلاد ؟
*مناجم الذهب في باجة:
مناجم “المينا”لاستخراج الذهب “وما هو معلن هو انتاج المينا”
مناجم البوكريم “ماهو معلن هو انتاج الزنك”
مناجم نفزة
مناجم وادي بوليف وكاف العقاب وعين الباي بنفزة لاستخراج الذهب واكد هذا الخبير لزهر السمعلي في جريدة الصباح بتاريخ 9-7-2012م
وهذه المناجم كلها متوقفة اليوم بانتظار استكمال انجاح الربيع العربي كما تريد امريكا في ظل مشروع الشرق الاوسط الكبير ,وفي انتظار ذلك وقعت تهيئة السكة الحديدية الواصلة بين بنزرت وباجة وتجربتها ولم يقع استغلالها الى اليوم ..
* النفط في تونس كما ورد في دراسة امريكية مسربة للمسح الجيولوجي نشرت في شهر سبتمبر 2013م
3,77مليار برميل من النفط الخام
38,5ترليون متر مكعب من الغاز الطبيعي
1,7ترليون متر مكعب من الغاز الطبيعي السائل
وحسب ما ورد عن الشركة الكندية “دوالاكس انترنشيونال “في مارس 2013م
حقل نفط سيدي عمر بالقيروان مليار برميل
حقل الزارات بقابس 362مليون برميل
وحسب البنك الافريقي للتنمية :تونس تمتلك مخزونا من الغاز الصخري يقدر ب 1708مليار متر مكعب .
الفسفاط:
الحوض الترسيبي بقفصة 1,5مليار طن بتركيز 24%من “بي205″
حوض سراورتان:2,5مليار طن بتركيز 15%من”بي205”
حوض ترسيبي ضخم بنفطة من ولاية توزر والنفيضة وسوسة
مناجم اخرى:
منجم حمام الزريبة للفليورينوالبارتين
منجم حمام الجديدي ومنجم جبل سيدي طايع ومنجم جبل الرصاص
منجم الجريصة ومنجم تمرة للحديد
منجم جبل الحلوف بوعوان ومنجم فج حسين ومنجم بوقرنين وفج الهدوم والطويلة ولبيض والشعانبي لمناجم الرصاص
منجم بوجابر للرصاص والزنك والكبريت والباريوم والكلس
“جميع هذه المناجم يستخرج منها الذهب والفضة والكبريت واليورانيوم والزئبق كما في منجم العرجاء ,ولكن الشركات المستعمر الناهبة لا تعلن عن وجود هذه المعادن بل تكتفي باعلان عن معادن اقل جودة كالزنك والرصاص مستغلة خللا في مجلة المناجم وضع عمدا منذ عهد بورقيبة وبن علي ووقع اقرار مع حكومات ما بعد الربيع وهو حسب المجلة تعتبر كل المعادن على السواء لا فرق بينها ”
الملح:
الشركة العامة للملاحات التونسية “كوتوزال”
اولا هي ليست تونسية بل هي فرع من فروع مجموعة “سالينس”الفرنسية وهي تنهب الملح منذ القرن التاسع عشر اما تريخ توقيع اتفاقية الاستغلال فهو 1949م
“كوتوزال”وهي نتيجة اندماج اربع شركات ناهبة استعمارية تستغل ملاحات فنيس وسيدي سالم وصفاقس ومقرين.
آخر تعديل كان في 15 يوليو 1974بتوقيع الشاذلي العياري محافظ البنك المركزي اليوم وقد كان حينها وزير الاقتصاد ,كان مضمون التعديل لصالح الفرنسيين دائما وهو مراجعة مساحة سطح امتار الاستغلال لصالح فرنسا.
رقم معاملات كوتوزال الفرنسية 4000مليون دينار
الملح في تونس الذي تنهبه فرنسا فيه مواد هامة مثل المانزيوم والليتيوم والبروم
تنهب كوتوزال الفرنسية من بلادنا 4ملايين طن سنويا مما جعل الفرنسيين يصرحون ان فرنسا اغلقت ملاحاتها في فرنسا بسبب انتاج كوتوزال وهو المقال الوارد في جريدة” مارساييز”الفرنسية بتاريخ 19-4-2007م
ليست كوتوزال وحدها التي تنهب ثروات البلاد بل هناك ايضا شركة ” تونيسال” وهي لا تحمل من تونس الا الاسم ,فهي على ملك شخصين ايطالي ونرويجي ,وتستغل سبخة العذيبات بن قردان.
في هذه الملاحات التي تنهب :
50مليون طن كلوريد الصوديوم
250مليون طن من الاملاح المعدنية
8,5مليون طن سيليفات الصديوم
2,5مليون طن البوتاسيوم
ماذا تفعل فرنسا بفضلات الملح من بلادنا
الفضلات تعلب في اكياس ذات 25كلغ وتباع الى الدول الاوروبية بسعر 12 يورو للكيس الواحد .في 2012 بلدية باريس وحدها اقتنت بما قيمته 200مليون يورو من هذه الاكياس .
هذه بلادنا ,وهذه بعض يسير من خيراتها ولكنها تذهب لمستعمرينا من الغرب , ولكن ,حذار, اليوم يريدون صياغة الاستعمار القديم بشكل جديد , يريدون ان يتحول هذا النهب والاستعمار ليصبح حكرا على اميركا وهي التي تتولى التوزيع لاوروبا او لغيرها , وهؤلاء الحكام الذين جاؤوا بعد خديعة الربيع انما جاؤوا لحماية نفوذ اميركا فلا فرق بين هؤلاء “الاسلاميين ” الذين قبلوا ترويج مفاهيم الغرب وثقافته باسم الاسلام او بين اولئك العلمانيين او اليساريين .
وان التغيير الحقيقي لن ياتي بالمطالبة بحلول جزئيّة وانما بثورة عارمة مدوية واعية على حقيقة الاوضاع وعلى البديل المطروح الذي لا يكون الا على اساس عقيدة الامة الاسلامية وتحت قيادة سياسية واعية لا تنقاد الا للمبدأ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بقلم أبو يعرب المرزوقي: دلالة معركة إدلب – مجريات المعارك واستراتيجيتها

السفير – وكالات ما يجري في إدلب الآن هو معركة سايكس بيكو الثانية ورديفتها الصفقة الك…