تونس – السفير
بقلم: محمد مقدمي (باحث تونسي)
لقد بدا واضحًا أنّ أميركا تسير قدمًا في تصفية قضيّة فلسطين على أساس مشروع “حلّ الدّولتين”, فعقب انتهاء المفاوضات الأخيرة الّتي استمرت تسعة أشهر تخلّلتها زيارات مكوكيّة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري للمنطقة, والتي تهدف لإنضاج خطّته الّتي أطلق عليها “إطار الاتّفاق النهائيّ”. حيث يشمل هذا الإتّفاق حسب التّسريبات الّتي نشرتها وزارة الخارجيّة الأميركيّة في مطلع العام الجاري تفكيك مستوطنات الضّفّة الغربيّة وتدويل البلدة القديمة من القدس ووضعها تحت إشراف دوليّ و نشر قوات دوليّة على امتداد نهر الأردن.
وتبعا لما إتّفق عليه الخونة و العملاء بشكل سرّي, زار بابا الفاتيكان المنطقة ودنّس المسجد الأقصى, و حصلت المصالحة بين حماس وفتح إنبثقت على إثرها حكومة الوفاق, ولتلك الغاية تمّ افتعال عدّة عمليّات كاختطاف المستوطنين الثّلاث في جنوب الضّفّة الغربيّة و التصعيد في وتيرة الإعتقالات العشوائيّة لأهل الضفّة,وما حصل أخيرا في دوما قضاء نابلس إبّان حادثة حرق الرّضيع علي الدّوابشة من قبل مستوطنين لا يخرج عن سياق تطبيق مقرّرات “إطار الإتّفاق النّهائي”, حيث كثرت الأصوات سواء من الوسط السياسي او الإعلامي في كيان يهود واصفة ما جرى بالإرهاب اليهودي ومساواته بنظيره الداعشي, خلافا لما كان يعتبر في مثل هكذا حالات كونها أعمال فردية و يتمّ وصف منفّذيها بالمختلين عقليا. هذا و قد تواتر الحديث عقب العمليّة عن تنظيمات ومناهج دينية في المستوطنات تخرج مثل هكذا عقليات إرهابيّة وهي السبب عن مثل هذه الجرائم في حين إرتفعت أيضا أصوات في الجانب الفلسطيني تنادي بتسليح الشارع من أجل حماية نفسه بالإضافة إلى الحركات التي راحت تنادي بالغضب الشعبي للرد على جرائم الاحتلال.
وعلى ما يبدو فأن مجريات الأحداث في الضفة الغربية من تصعيد و تشكيل رأي عام خاصة ضد المستوطنين والمستوطنات يأتي في إطار تمكين حكومة اليمين من تنفيذ الخطة “ب” التي تحدث عنها يهود باراك وهى الانسحاب الأحادي الجانب من مستوطنات الضفة الغربية والتجمع في الكتل الاستيطانية الكبرى كمستوطنة “جوش عتصيون” و”اريئيل” وفق ما نصّ عليه “إطار الإتّفاق النّهائي”.
وعليه قامت أميركا بتلميع عميلها نتنياهو في حرب غزة الاخيرة من اجل عودته الى الحكم وهو ما حصل بالفعل, و تشكيل حكومة من “اقصى اليمين” حيث انّ حكومة يمينية هى الاقدر على القيام بتفكيك المستوطنات, و لتحقيق ذلك صرح نتنياهو يوم 29 ايار/ماي 2015 “إنّ مبادرة السلام العربية التي أطلقت قبل ثلاثة عشر عاما لم تعد تتلاءم والتطورات في المنطقة”.و يعدّ هذا الاعلان عن وفاة “مبادرة السلام العربية” تمهيدا لدفع الفلسطينيين الى التصعيد في المحتل من فلسطين عام 1967 وتهيئة للانتقال الى الخطة “ب” وهذا بدا واضحا في اقوال يهود براك رئيس وزراء كيان يهود الاسبق حيث اعلن قبل ايام من تصريح خليفته “إنه يؤيد إسرائيل بالقيام بعملية فك ارتباط أحادية الجانب من الضفة الغربية”. وتفاصيل خطة الانسحاب هذه قد اشار اليها يهود براك في شهر ايار/ماي 2014 خلال حديثه في مؤتمر “وينغيت” بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط و قال:”أنّ خطة المفاوضات ” أ ” قد فشلت ويجب حالياً الانتقال للخطة ” ب ” والتي تقضي بقيام إسرائيل بإعادة رسم حدودها مع الضفة بما يشمل الكتل الاستيطانية الكبيرة بالإضافة لضواحي القدس وثمانين بالمائة من المستوطنات والإعلان بعدها عن وجود دولة فلسطينية قابلة للتواصل وراء الحدود بما يشمل خط سير أرضي بين الضفة وغزة وبقاء إسرائيلي عسكري على سلسلة جبال الضفة وغور الأردن بشكل لا يمس بحياة الفلسطينيين”.
أمّا على المستوى العملي فقد نجحت أميركا بالسّير بالطرفين نحو غايتها فعلى الصّعيد الإسرائيليّ يتمّ تمكين نتنياهو من الإعداد لتفكيك مستوطنات الضّفّة الغربيّة من خلال اجتياح مناطق الضّفّة الغربيّة وإراقة دماء الفلسطينيّين, كما فعل سلفه الهالك شارون من قبل فيما يسمّى انتفاضة الأقصى حيث إنّ إسرائيل لا يوجد فيها رجل دولة, وإنّما فيها رجال أحزاب يلعن بعضهم بعضًا, وتريد أمريكا أن تصنع من نتنياهو رجل دولة من خلال تلميعه حتّى يتمكن من الوقوف في وجه تيّار اليمين الذي يحول دون الحلّ الأميركي. هذا من جانب, والجانب الآخر هو كون مثل هذه العمليّات تؤدّي الى تسليط الضّوء على واقع مستوطنات الضّفّة الغربيّة, بإعتبارها برميل بارود قابل للانفجار في كلّ لحظة, لأنّها تسبّب عبئا على دولة يهود, وهذا بدا واضحًا من خلال ما نشرته صحيفة هآرتس في استطلاع للرأي أجراه معهد الاستطلاعات “مأغار موحوت” برئاسة البروفيسور “يتسحاق كاتس” لصالح جامعة في مستوطنة أريئيل يشير إلى تراجع تأييد الجمهور اليهودي في إسرائيل للمستوطنين, وأنّ المستوطنات تلحق ضررًا بالعلاقات بين بلدهم والولايات المتّحدة. وسبق ذلك أعمال استفزازيّة للمستوطنين ضدّ الجيش,وبدا واضحًا أنّ المقصود منها هو إضعاف حالة التّعاطف مع المستوطنين بحيث يسهل إخراجهم مستقبلا من مستوطنات الضّفّة الغربيّة, وتفكيكها يمكن أن يكون من خلال انفصال أحاديّ الجانب, كما طرح نتنياهو على حكومته بعيد توقيع المصالحة بين حماس وفتح .
وعلى الصّعيد الفلسطينيّ فإنّ مثل هكذا عمليّات هي من أجل إيجاد الذرائع لضرب البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية وتصفيتها, خاصّة حركة حماس أكبر الفصائل, حيث إنّه لا بدّ من بقاء سلاح واحد وجهاز أمن واحد وهذا الجهاز و السلاح هو الّذي تمّ بإشراف الجنرال دايتون والمخابرات الأميركيّة.
وبما أنّ حماس ستسير في الحلّ السّلميّ وستتحول إلى منظّمة سياسيّة كما أشار خالد مشعل في قمّة الدّوحة و ستتخلّى عن السلاح, فقد تمّ التواطؤ بين الأطراف جميعًا على إسناد المهمّة القذرة, وهي ضرب البنية العسكرية للفصائل الفلسطينية وتصفيتها سواء أكان ذلك في الضّفّة الغربيّة أم في قطاع غزّة, إلى كيان يهود حفظًا لماء الوجه ولأنّهم الأقدر على القيام بمثل هكذا مهمّات في محاولة لإعادة إستنساخ سيناريو تصفيات الفدائيين, فقد صرح الليفتنانت كولونيل بيتر ليرنر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي عقب حادثة إختطاف المستوطنين الثلاث:”لدينا عمليًا عمليتان متوازيتان, الأولى هي إعادة الفتية المختطفين الثلاثة, والثانية توجيه ضربة قاضية للبنى التّحتيّة وللمؤسسات الإرهابيّة لحماس”. كما صرّح أيضا”إنّ الجهود الرّامية لإعادة الشبّان عمليّة معقّدة, ويجب الاستعداد لاحتمال أن تستغرق وقتًا طويلا, فقواتنا اعتقلت أكثر من مائة من أعضاء حماس في الضّفّة, ونحن الآن بصدد إجراءات أخرى لضرب قواعد هذه الحركة الإرهابيّة”. هذا و قد أشارت وسائل الإعلام إلى تصريحات المستشار القانونيّ للحكومة الإسرائيليّة يهودا فاينستاين أجاز فيها للأجهزة الأمنيّة التّعاملَ مع عناصر حماس الموقوفين كـقنابل بشريّة.
وعلى ما يبدو ان المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدا في اراضي الضفة الغربية والقدس تمهيدا لتنفيذ الخطة “ب” وتحقيقا لمفصلية من مفصليات المشروع الامريكي في تصفية القضية الفلسطينية وهو تفكيك مستوطنات الضفة الغربية والانسحاب منها على غرار ما قام بها شارون من تفكيك لمستوطنات قطاع غزة عام 2005.
أمّا بالنّسبة إلى مفصليّة تدويل القدس فما انفكت امريكا وادواتها من العملاء من تدبير المؤامرات والدسائس ضد المسلمين وبخاصة في فلسطين من اجل تصفية القضية ومنها السير قدما في وضع المسجد الاقصى مسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وما حوله في القدس تحت اشراف دولي , وكانت آخر المؤامرات ما جرى من احتجاجات للمصلين يوم الجمعة الموافق 22 ايار/ ماي 2015 على خلفية محاولة القاء قاضي القضاة الاردني احمد هليل خطبة الجمعة حيث قام جمع من الناس من منعه من القاء الخطبة وانزاله عن المنبر وبخاصة بعد استفزازه للمصلين عندما راح يتكلم عن الهاشميين وما قدموه للمسجد الاقصى.
وقد بدا واضحا ان زيارة احمد هليل والوفد الاردني جاءت ردّا على زيارة وزير الاوقاف التّركي وخطبته في المسجد الاقصى قبل زيارة الوفد باسبوع اي بتاريخ 15 ايار/ ماي 2015 حيث تحدّث فيها عن انجازات السلاطين العثمانيين وما قدموه للمسجد الاقصى مما استفز النظام الاردني. وبهذا تم استدراجه بارسال الوفد الاردني الى القدس على عجل أي بعد أسبوع فقط, ولكن على ما يبدو ان من هيأ لاستدراج النظام الاردني ودفعه لارسال احمد هليل قد اعد العدة للتصعيد والتأجيج وتثوير الناس في المسجد الاقصى وساحاته وبهذا تم ايصال الرسالة أنّ اهل القدس غير راضين عن النظام الاردني ووصايته على الاماكن الدينية في القدس وهذا يعني ان امريكا تعدّ العدّة لرفع الوصاية الاردنية عن الاماكن الدينية ومنها المسجد الاقصى تمهيدا للسير قدما في تنفيذ مشروع تدويل القدس او البلدة القديمة في القدس, على غرار فك الارتباط بين الضفة الغربية والاردن عام 1988 حيث كان تمهيدا لنشوء الكيان المسخ الذي يسمى السلطة الفلسطينية فان رفع الوصاية الاردنية عن الاماكن الدينية في القدس ومنها المسجد الاقصى تأتي في سياق التمهيد لوضع المسجد الاقصى تحت اشراف دولي .
فإلى متى سنظلّ ضحيّة للتّضليل السياسيّ, وفريسة سهلة الوقوع في الفخاخ السياسيّة من مؤامرات ودسائس ؟ والى متى ستظلّ دماء أبناء المسلمين تراق هدرًا من أجل تحقيق مشاريع الغرب الكافر ؟
أيّها المسلمون, و يا أهل فلسطين, ألم يحنِ الوقتُ لكي ننفض عنّا غبار سوء التّفكير السّياسيّ ونصرخَ بأعلى أصواتنا إنّ فلسطين من نهرها إلى بحرها بلد إسلاميّ, لا نقبل بتمزيقه بين كيان يهود, وبين كيان مسخ هزيل لأهل فلسطين ؟ وهذا ضدّ ما أمر الله به من تحرير أرض القدس من براثن يهود وإعادته إلى وضعه الطبيعيّ جزء لا يتجزأ من بلاد الإسلاميّة (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ). صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بقلم أبو يعرب المرزوقي: دلالة معركة إدلب – مجريات المعارك واستراتيجيتها

السفير – وكالات ما يجري في إدلب الآن هو معركة سايكس بيكو الثانية ورديفتها الصفقة الك…