تونس – السفير
بقلم: المختار غميض (كاتب تونسي)
بعد سنوات من اندلاع الثورة في سوريا واجهها الجيش السوري بالرصاص الحي والبراميل المتفجرة بأنواعها من كلور وفسفور، ولما اقتربت الثورة من نجاحها استدعى النظام حلفاءه من إيران وروسيا.
لم يجد في المقابل حلفاء المعارضة السورية بُدا غيرالوقوف معها فوجد الدب الروسي نفسه أمام الأمرالواقع.. مقارعة طبول الحرب مع من يعتبرهم حليفها الأسد عثمانيون جدد.
بلغت الأزمة أوجها مع إسقاط الأتراك طائرةعسكرية روسية على حدودهم.. خال العالم نفسه حينها على شفا حفرة من حرب دولية أصر خلالها الروس على تأجيج أتون الحرب وتقتيل المعارضين تقتيلا.
هذا التقتيل لم يشف غليل بوتين حتى أخرج جميع المعارضين من حلب شبه المحروقة بشرا وحجرا..
ومع خذلان الموقف الغربي والمحور الخليجي للثورة اليتيمة حتى تراجعت جذوتها الى نقطة الصفر.. شربت انقرة ايضا من ذات الكاس ذات ليلة ليلاء كادت تصعد بالعسكر الى حكمها… لقد كان حدثا مفصليا في المنطقة.
اتهمت أنقرة الغرب بتواطؤ كبير في اكثر من قضية تركية، من احتضان المعارض فتح الله غولن، الى عدم الجدية في ملف اللاجئين السوريين، الى تجميد انضمامها الى الاتحاد الاوروبي..الى عودة سياسة الكيل بمكيالين الامريكية القديمة مع الازمة السورية..كان لازاما حينها ان تتغير لعبة الممكن امميا.
تركيا ليست عربية اكثر من العرب انفسهم لكنها بلد مسلم لاشك يهمه مايهم المنطقة فهو منها ولاعب اساسي فيها..أعادت علاقتها بالكيان الصهيوني ثم صافحت عدوها القريب الروسي ..لقد اصبحت تركيا شرقية لاغربية تكاد تقول للمشككين: انتظروا فالحل السوري على الابواب.
حدث آخر مر مرور الكرام، ولم يكن كذلك لو كانت الظروف غير الظروف، انه مقتل السفير الروسي بتركيا، حدث كان من شانه ان يقود الى صراع دولي ابتلعت فيه موسكو السكين بدمه..بعده فقط بأيام كانت المفاوضات على اشدها بين اللاعبيْن الوحيديْن مع المعارضة والنظام السورييْن حتى خرج اتفاق لوقف النار في كامل سوريا الى النور.
استفردت روسيا وتركيا بالاتفاق، وفي الاستفرادتكمن جذوة الامل الوحيدة التي قد تحمله (بعد ثمندفعته حلب دما)، فالاتفاق كان استباقيا ومفاجئا وبعيدا عن الاعلام، ومحاطا بالسرية.
نذكر ان اللقاء الثلاثي الذي دار بموسكو وجمعها بتركيا وايران، ثم جاء اللقاء الثنائي الحاسم الذي جمع النظام السوري بالمعارضة بأنقرة ومن ثمة خرج الاتفاق الى العلن بعد تسريبات لوزير الخاجية التركي عن امكانية وقف للنار أكدها بعده فلاديميربوتين.
كما استثنى الثلاثي امريكا والسعودية وإيران، وهي دول لم تعر اهتماما للاتفاق مما يعكس عدم تحمس منها، فايران ترغب في بقاء عناصرها في سوريا وبالتالي الحفاظ على تمددها، وامريكا تريد موطئ قدم لها في شمال سوريا مع قوات سوريا الديمقراطية، في حين يبدو الموقف السعودي شبه يائس ولم يعد مهتما بقدر اهتمامه بجارته اليمن.
يمكن القول ان الحماسة التركية الروسية هذه المرة وغير المسبوقة لوضع حد للاقتتال السوري ستحمل في طياتها أملا للسوريين، اول ذلك الامل هو الاتفاق على اخراج جميع الميليشيات بانواعها وبانتماءاتها، ثم قدرة وحدة قادة السفينة امر مهم ايضا حتى لا تغرق اكثر في الدم.
فتركيا موكلة بالمعارضة وروسيا موكلة بالنظام، وبالتالي فإن ما يتفقان عليه سيسري على الجميع، ثم التوحد والاتفاق للمرة الأولى على مقاتلة تنظيم الدولة وقد بدت روسيا في ضربه فعليا -بعد أن كانت تستهدف القوى المعارضة المعتدلة- كما تواصل تركيا ايضا قتاله شمال حلب بالاشتراك مع الجيش الحر..
إن كل هذه الآمال ستفتح صفحة جديدة شئنا أم أبينا مع بداية سنة جديدة قد تمهد الأرضية لما هو أهم في الساحة السورية مع محادثات الأستانة.
يبقى من العار أن تؤجج الصراع دول عربية ويدور في أراض عربية وأن لاتكون دول عربية طرفا في الحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بقلم أبو يعرب المرزوقي: دلالة معركة إدلب – مجريات المعارك واستراتيجيتها

السفير – وكالات ما يجري في إدلب الآن هو معركة سايكس بيكو الثانية ورديفتها الصفقة الك…