تونس – السفير – محمد ضيف الله

السلفيون المداخلة.. من هم ومن شيوخهم وعلى ما يقوم مذهبهم؟ وكيف انخرطوا في الصراعات المسلحة.. وما سرّ دعمهم لحفتر ثم كيف استغلهم واستقطبهم؟ ماهي الكتائب التي يسيطرون عليها ومن هم أبرز قياداتهم؟ وما حجم تواجدهم في قوات حفتر وفي الغرب الليبي؟

اولا نوضح أن التيار المدخلي نسبة الى ربيع بن هادي بن محمد عمير المدخلي وهو شيخ سعودي ينسب الى السلفية وهو من مواليد 1930 ينظّر لفتاوى وآراء لاتباعه في مختلف البلدان وأهم قاعدة عنده هي تحريم الخروج عن ولي الأمر وان طغى وأهلك.

وتوسع هذا التيار جغرافيا وعدديا في السنوات الأخيرة وانتشرت فتاوي مرجعيته ربيع المدخلي خاصة في البلدان العربية التي تعيش اوضاعا سياسية وامنية صعبة، كاليمن وليبيا وسوريا والعراق ومصر لتنخرط في الصراعات المسلحة والعنف والمواجهة والانتصار لبعض القوى ضد أخرى.

وما يعرف عن هذا التيّار أنه يكنّ العداء القوي لحركة الإخوان أو ما يعرف بالاسلام السياسي في مختلف البلدان اليمن وسوريا وليبيا وقطر ومصر وتركيا وتونس وحتى في السعودية.

وربيع المدخلي هو تلميذ نجيب لمؤسس هذا المذهب محمد أمان الجامي الذي اورثه اياه فبعد ان كان يعرف بتيار “الجامية” طوره ربيع فنسب اليه وبات يعرف بالتيار المدخلي.

ومحمد أمان الجامي هو سعودي من أصل أثيوبي بنيت افكاره كتيار سلفي على العداء لأي توجه سياسي مناوىء للسلطة انطلاقاً مما يعتقدون أنه منهج السلف في السمع والطاعة وحرمة الخروج على الحاكم مهما كان جيّدا أو سيّئا عادلا أو ظالما.

أما عن تاريخ ظهور هذا التيار “الجامية” فيعود الى بداية حرب الخليج ايام دخول الرئيس صدام حسين الى الكويت وتهديداته للسعودية، حيث أفتى بعض العلماء بجواز الاستعانة ب”غير المسلمين” لدفع المعتدي ولحماية الدين والدولة من شره وكان ابرز الداعين والمدافعين عن ذلك محمد أمان الجامي الذي تصدّى بقوة الى كل من رفض مثل هذه الفتاوى وعلى رأسهم شيوخ الصحوة (ينسبونهم للاخوان كسلمان العودة وعوض وعائض القرني وسفر الحوالي وناصر العمر وسعد البريك وغيرهم) اذا نستخلص ان الجامي ومن بعده المدخلي يحرّمان الخروج عن ولي الامر الجائر والظالم وهذا ما برز خاصة مع اندلاع ثورات الربيع العربي، حيث كفر بها اتباع المدخلية ورفضوها وكانت علاقتهم بها عدائية جدا الى درجة انتصارهم الى “الثورات المضادة” التي نجحت في استقطابهم والاعتماد عليهم بادخالهم في المواجهات العسكرية رغم انها ليست في منهجهم فهم لا يمارسون السياسة ولا يدخلون المعترك السياسي.

وظهر هذا خاصة في اليمن وليبيا، حيث نجحت الاستخبارات السعودية والاماراتية في استقطاب قيادات واهم عناصر هذا التيار وسلحتهم وادخلتهم كركائز في المعارك في اليمن وفي ليبيا وبرزت اسماء عرفت بدمويتها وعنفها وفتكها بالخصوم نذكر منهم عادل عبده فاري عثمان الضهباني المعروف ب”ابي العباس”في اليمن المدعوم بقوة من التحالف الامارتي السعودي رغم انه مطلوب امريكيا بتهم ارهابية ومحمود الورفلي في ليبيا المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية لما اقترفه من جرائم اعدامات وتصفيات جسدية مصورة في الشوارع.

وتتحدث تقارير عن ان الفكر المدخلي وصل إلى ليبيا، قبل الثورات العربية وسريعا ما انتشر بها، فركبت قوافل الطلاب السلفيين إلى اليمن لتلقي العلم الشرعي بدار الحديث بدماج (اهم المدارس الجامية-المدخلية) ثم ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في انتشارها الواسع وفي تقريب هذا الفكر إلى الشباب خاصة.

وما زاد هذا الفكر توسعا في ليبيا حسب بعض التقارير هو احتضان نظام معمر القذافي هذا التيار عن طريق ابنه الساعدي خاصة، لما يسوّق له من حرمة الخروج على الحاكم ووجوب طاعته. وهذا طبعا يخدم حكم القذافي ويدعمه خاصة وانه يكسبه شرعية دينية تحمي عرشه وترد أفكار بقية التيارات الدينية التي تعارض حكم عقيد ليبيا وقتئذ.

وما ان اندلعت ثورة 17 فبراير حتى اعلن المداخلة في ليبيا دعمهم لمعمر القذافي وعارضوا الثورة بل أفتى قادتهم بحرمة المشاركة فيها وهناك بعض الأفراد منهم قاتلوا مع كتائب القذافي وأبناءه واعتبروا الثوار خوارج.

وهذا ما جعل عددا من رموزهم وأتباعهم محل تهم واعتقال من قبل الثوار بعد أن سقط نظام القذافي لكن سرعان ما أطلق سراحهم فبدأ التيار بالتنظم والانتشار وتوسيع نشاطاته خاصة في المجال الدعوي والخيري بل شمل نشاطهم المجل الامني، حيث قاموا بحملات على السراق وبائعي الخمور والمخدرات كما انهم اعتدوا على كل ما يتعارض مع عقيدتهم فهدموا الأضرحة ولعل اهمها زاوية التاج بمدينة الكفرة بالجنوب ونبش قبر الشيخ محمد المهدي السنوسي وبعض الرياض لأولياء صالحين.

ومع حلول انتخابات 2012 في ليبيا عبروا عن موقفهم بوضوح وحرموها وتركوا المشاركة فيها فهي “بدعة” لا يجوز الخوض فيها ولكن انخرطوا دون إفصاح في طاعة ولي الأمر وهو وقتها حكومة المؤتمر الوطني.

التحول الملفت

لم يتاخر اتباع المدخلية في دعم والانتصار للواء المتقاعد الاسير السابق بتشاد خليفة بلقاسم حفتر، حيث انهم سرعان ما انخرطوا في العمل المسلح مع ميليشيات عملية الكرامة التي اطلقت في 2014 فهذا التيار الذي كما قلنا يعادي الثورات العربية وينتصر لاعدائها وجد ضالته في خليفة حفتر وميليشياته واعتبره ولي الأمر الذي وجبت طاعته والقتال تحت رايته ضد قوات ثورة 17 فبراير.

هذا التوجه لاتباع المدخلية دعموه ببعض الفتاوى لرموزهم بان شرعية ولي الأمر الرسمي اي المؤتمر الوطني العام قد انتهت صلاحيتها وفترة حكمها ورفض التمديد لها.

ليتدعم بعدها وبصفة نهائية بعد اعلان مرجعيتهم محمد ربيع المدخلي من السعودية اعجابه بحفتر وقد قال فيه: “نحن مسرورون بحركة حفتر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصره بدون سفك دماء كثيرة إن شاء الله…

إذا كان عند حفتر قُوة يفعل كما فعل السيسي، يعتقل الرؤوس الكبار ويدخلهم السجن حتى يمشي الشعب وراءه بكل راحة وهدوء بإذن الله” كما ان ربيع المدخلي أفتى بقتال الإخوان وغيرهم في ليبيا فقال: “وعلى السلفيين في ليبيا النصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين وغيرهم؛ فالإخوان المسلمون أخطر الفِرق على الإسلام منذ قامت دعوة الإخوان المسلمين، وهم من أكذب الفرق بعد الروافض؛ عندهم وحدة أديان، ووحدة الوجود، وعندهم علمانية” وقال عن بني غازي: “فعلى السلفيين أن يلتفوا لصدّ عدوان الإخوان المفلسين، ولا يُمكنوا الإخوان من بنغازي”.

وتدعم ايضا بمجيء أبرز شيوخ هذا التيار وهو الشيخ أسامة عطايا العتيبي، الذي زار أغلب المدن التي سيطر عليها حفتر في 2015 للتأييد والحشد في صفوف الشباب لقوات حفتر

وطبعا هذا لم يكن الا بايعاز من الاستخبارات السعودية والاماراتية الذين دخلتا بقوة وسط هذا التيار ووجدتا فيه ضالتهما لتحقيق مآرب سياسية وعسكرية وهناك بعض المعلومات على أنه تم تحريك حمية وتحريض عناصر هذا التيار بعد تدبير عديد الاغتيالات استهدفت رموزه، تدبير ممنهج من ميليشيات حفتر ومن الاستخبارات لاستقطابهم من أجل خوض المعارك تحت لواء راية حفتر.

وطبعا هرول حفتر نحو رموز هذا التيار في ليبيا نذكر منهم، الشيخ قجة الفاخري الذي ينحدر من مدينة أجدابيا وعاش في بنغازي وهو من اقدم المنتمين للتيار ومن دعاة طاعة ولي الأمر أثناء ثورة 17 فبراير، مناديا بعدم الانخراط في الثورة واعتبار القذافي ولي أمر البلاد الشرعي.

وبمجرد دعوة الشيخ ربيع المدخلي من السعودية أتباعه في ليبيا للقتال في صفوف حفتر شارك قجة في قتال مسلحي مجلس شورى بنغازي وتم بعدها تكليفه بإمرة قوة سلوق في بنغازي المتكونة من عناصر التيار المدخلي.

واتهم الفاخري بانه وراء تنفيذ مجزرة الأبيار وتم اعتقاله الا ان تقارير تحدثت عن ان ابناء حفتر صدام وخالد تدخلا واطلقا سراحه لإخفاء الأدلة قبل التحقيق معه لان العملية من تدبيرهم ووالدهم.

يعتبر محمود الورفلي المطلوب للجنائية الدولية من أبرز القيادات المدخلية المقربين من خليفة بن بلقاسم حفتر

ومن العناصر الاخرى نجد محمود الورفلي الذي يعد من أبرز قادة تيار المداخلة في صفوف قوات حفتر، وهو ضابط وقيادي في القوات الخاصة، قاد كتيبة من المداخلة ضمن صاعقة بنغازي، كما قاد كتيبة النداء وهو مطلوب دولياً من قبل محكمة الجنايات الدولية بعد تورطه في جرائم حرب وقتل وتصفيات لم يخفها، إذ كان يقوم بتصويرها ونشرها على صفحات التواصل الاجتماعي.

وطبعا نذكر الشاب أحمد عبد الرزاق غرور الحاسي آمر فرقة القبض الخاصة، المشكلة من قبل قيادة حفتر وهو من اكبر واول منظري المدخلية والمدافعين عن وجودها في الشرق ويعرف حسب تقارير باشرافه على عمليات الاختطاف وتصفيات للخصوم بامر من حفتر في عديد المرات وايضا من رئيس أركانه عبد الرزاق الناظوري.

ونذكر ايضا أشرف الميار وهو ملازم بالجيش ومنخرط في التيار المدخلي، يعتبر المؤسس لأولى كتائب السلفية بقوات حفتر، والتي اشتهرت بكتيبة التوحيد ونشرت فروعاً لها في بنغازي وأجدابيا.

ويعرف بانه مقرب جدا من ربيع المدخلي ويسمونه في ليبيا ب”مفتي حفتر” لدعواته المتتالية للسلفيين بالانضمام لحفتر، قبل أن يؤسس مع أتباعه كتيبة التوحيد التي تعتبر اليوم من أهم كتائب حفتر المتنقلة في أغلب المدن التي يسيطر عليها.

وطبعا لا نغفل كل من عز الدين الترهوني من كتيبة التوحيد وميلود الزوي احد ابر عناصر التيار الذي عينه حفتر كناطق باسم القوات الخاصة في بنغازي وعلي الثابت كناطق باسم قوات البحرية في بنغازي، ومحمد البوعيشي كآمر لقوة مكافحة الإرهاب في أجدابيا.

فحفتر نجح في استقطاب عناصر هذا التيار وجلس الى اغلبهم ومكنهم مما احتاجوا وطلبوا واطلق ايديهم ليفعلوا ما بدى لهم مع خصومه اي كل الجماعات الإسلامية والحركات السياسية المناهضة له والرافضة لمشروعه وخاصة اتباع الشيخ المناصر للثورة “الصادق الغرياني” الذي دعا إلى رفض ومحاربة المشروع الحفتري وصده بقوة السلاح.

وامام هذا الانفتاح على حفتر وطبعا داعميه الامارات والسعودية ومصر وفرنسا توسع هذا التيار ونجح في تأسيس كتائب مسلحة مدخلية لعل اهمها كتيبة 604 مشاة، وكتيبة التوحيد، .كتيبة سبل السلام… وغيرهم كما انتشر المداخلة بين مختلف كتائب ميليشيات حفتر واولاده مع توسع ذلك خاصة بعد أن تم حل الكتائب المدخلية وتوزيعهم بين مختلف كتائب حفتر.

وتمكن المداخلة في معاركهم الداعمة لحفتر من السيطرة علي مواقع عسكرية مهمة في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلى فرق عسكرية مهمة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة. وبرز الدور الاستخباراتي السعودي الاماراتي بتكثيف ومساعدة نشر هذا التيار وذلك من خلال توزيع كتب رموز المدخليين بطبعات فاخرة وأسعار رخيصة، خاصة تلك الكتب التي تنتقد أتباع الحركات الإسلامية الأخرى ومنظريهم، وتحث على طاعة ولي الأمر حسب ما اكدت عديد التقارير.

هذا الى جانب الدور الكبير للاعلام السعودي والاماراتي الذي اوغل في مدح التيار المدخلي المسلح في ليبيا في تقارير وفيديوات ومقالات وغيرها. وقد اعتمد حفتر اعتمادا كبيرا على المداخلة في هجومه على طرابلس في افريل 2019 وكانوا معه في كل تحركاته ومعاركه كقادة وكمقاتلين الى جانب استقطابهم لعدد من المرتزقة الافارقة وتجنيدهم للقتال معهم تحت راية حفتر.

المداخلة في الغرب اليبي

نذكر “قوات الردع الخاصة بطرابلس” والتي لم تشارك في الحرب الاخيرة مع حفتر ولم تتدخل ايضا ضده وكان آمرها عبد الرؤوف كارة، دعا خلال نهاية عام 2019 كل أطراف الصراع الليبي من كافة المدن والقبائل إلى الجلوس على طاولة واحدة، لكي تخرج ليبيا من نفقها المظلم.

كما يتواجد المداخلة في ترهونة والزاوية وفي مصراتة وصبراطة وغريان وفي مخلف مدن الغرب الاخرى ويعادون بشكل كبير اي فكر اخواني وكثيرا ما يقدمون على اعمال عنف ومواجهات تحت ذريعة مقاومة الجريمة والفساد.

أما عن اهداف تحالف هذا التيار المدخلي مع حفتر فهي التمكين والانتشار الواسع ومن ثمة تحقيق مزيد من السيطرة على المجال العام في ليبيا، الى جانب استقطاب الكثير من الشباب العاطل للانضمام للكتائب المدخلية التي توفر مرتبات جيدة للعاملين فيها نتيجة الدعم الخارجي لها، وحصولهم على امتيازات العسكريين.

إذا يمكن ان نقول ان حفتر نجح في استقطاب واستخدام هذا التيار المدخلي واعتمد عليه في التوسع وافتكاك المدن الليبية خاصة في الشرق والجنوب وذلك بدعم واسناد كبير اماراتي-سعودي-مصري وايضا فرنسي، كما ان هذا التيار نجح في التوسع والتمكين وبات له اتباع في مختلف المناطق والمدن الليبية شرقا وغربا.

ولئن تحرر مداخلة الغرب من اي سلطة تصدهم واعلنوا الولاء التام لحفتر فان بعض الكتائب في مدن الغرب حيث سيطرة قوات الوفاق بقيت متخفية ولا تعلن ولاءها لحفتر، مع ان بعضها بمجرد ان سمحت الفرصة انفلتت ولعل اخرهم كتيبة 604 في سرت والتي تواطأت مع ميليشيات حفتر التي هاجمت المدينة من محوري الجنوب والشرق بتنسيق مع هذه الكتيبة المدخلية واتباع القذافي الذين اجبروا قوات مصراتة الذين كانوا يؤمنون سرت على الخروج منها حقنا للدماء.

وبقيت سرت الى اليوم تحت سيطرة اتباع القذافي وبعض ميليشيات حفتر من مرتزقة الجنجويد وغيرهم من الافارقة والمصريين. ولا نغفل ايضا ان حفتر راهن الى جانب المداخلة على القبلية في ليبيا وفتن بين القبائل مستغلا ذلك لخدمة مشروعه ومخططه بالتوسع وعسكرة ليبيا وافتكاك السلطة فكيف لعب حفتر على هذا الوتر والى اي مدى نجح في ذلك؟ هذا قد يكون موضوع تقرير اخر عن الجغرافيا القبلية في ليبيا بين الماضي والحاضر وعن دورها في الصراع ومدى توافقها مع مشروع حفتر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

المحكمة الجنائية الدّولية تحقّق رسميّا في جرائم إسرائيلية في فلسطين

السفير – وكالات أكّدت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا، اليوم الأ…