تونس – السفير
بقلم: هشام العيثاوي (كاتب وناشط سياسي عراقي)
تعلمنا تجارب التاريخ ان مسارات الاحداث التي تشكل انقلابا كونيا،غالبا ماتكون خارج سياقات الرؤيا العامة من الناس واصحاب القرار على حد سواء، بل ان بعض الاحداث لم تزل الى الان لم تجد من يرتب معادلاتها ويعيد صياغتها ، وبعض الاحداث الكونية العظمى لم يتمكن عقل بني البشر من ادراكها الى ان تدخل الله سبحانه في تفسيرها ،فقد كانت بعض تلك الاحداث من البساطة بمكان الى الحد الذي لم تك لتغري احداً بالانتباه لها.
فمن ذا الذي كان يعتقد ان صبياً قد كسر اصناما من الحجر سيقلب نظام الكون ، كما حصل مع ابراهيم الخليل ،وهل هي محض مصادفة ان تلجأ الشعوب العربية الثائرة الى ذات الطريقة التي اعتمدها ابراهيم الخليل ،فتحطم اصناما هي تماثيل الرؤساء في ثورة غضب شعبي ؟؟ ومن ذا الذي كان يعتقد ان طفلا يطفو في مياه النيل سيعود الى حضن الفرعون ، فينجو بعد سنين هو وقومه ليعبروا البحر الاحمر، بينما يبتلع البحر فرعون وجنده !! وهل هي محض مصادفة ان ترمي امريكا جثمان بن لادن في البحر! وهل هي محض صدفة ان تنطلق ثورة سوريا من حاران،ذات المكان الذي انطلق منه خليل الرحمن ،ليكون بعدها أباً للانبياء ؟؟
بعد هذه التساؤلات التي تقترب من الهلوسة كما يحسبها البعض اعود لأقول: ان الصورة النمطية الدارجة في قراءة احداث العالم تنطلق من البحث ومتابعة مركز القرار في عواصم الدول الكبرى. ولكن هذه المرة وفي تطور خطير اصبح الحدث تصنعه الناس الذين يسكنون على حواشي مدن الصفيح في العالم الفقير . ففي الحرب العالمية الثانية كان يكفي ان يقرر ساسة البيت الابيض القاء قنبلتهم النووية على اليابان ليكسب الغرب معركته فيفتتح عصرا جديدا من سيادة الراسمالية واقتصاد السوق الذي تتربع على عرشه المؤسسة العسكرية الصناعية الامريكية وبضع من رجال المال في العالم . أما اليوم فان مسار العالم تصنعه بضع فعاليات جهادية لبسطاء افغان في جبال تورا بورا،او مجاميع من الجياع في اراضي الصومال الفقير الجدباء ، او في فلوجة العراق .
وكي لانوغل في قراءة طالع النجوم نعود الى الى ماكتبه افرام هاليفي ، رئيس جهاز الموساد السابق ،في تقديمه لكتاب :”عالم مابعد امريما الذي كتبه فريد زكريا “، في طبعته باللغة العبرية ،والذي دعا فيه دون مواربة ساسة اسرائيل وصانعي القرار السياسي فيها الى البحث عن خارطة جديدة لعلاقات اسرائيل الدولية في عالم مابعد امريكا…. . ان اغلب من كتبوا عن تنبؤاتهم بسقوط امريكا كانو يرجعون ذلك الى انغماس امريكا في الحروب او بسبب تراجع تفوقها العسكري او مكانتها الاقتصادية الى غير ذلك من الاسباب المرتبطة بعوامل القوة . وبعضهم قد يعزو تراجع الولايات المتحدة الى صعود قوى دولية جديدة كالصين او الهند او روسيا وما الى ذلك من اسباب وحسابات .
ولكني ارى ان العامل الحاسم في نهاية امريكا يتلخص في ان الراسمالية استهلكت نفسها سياسيا واجتماعيا واخلاقيا الى الحد الذي لم تعد قادرة على الصمود . وان خوف الانهيار السريع الذي سيؤدي بالعالم الى الانفجار العظيم، هو الذي دفع امريكا وشركائها الاوربيون الى الاسراع في دعم القوى الدولية الناشئة علها تكون رافعة يستند عليها النظام الراسمالي المتهاوي ، فقد حاولت الولايات المتحدة وشركائها الاوربيين دعم واسناد عملية صعود الدول او القوى الدولية الجديدة مثل الهند او الصين . وقد رافق ذلك ان حاولت الراسمالية تصدير ازمتها الى الاطراف ، فحاولت احتواء العالم كاملا وخاصة دول الفقر ، حاولت ربطها قسرا بعجلة الراسمالية المتوحشة ، ولكن هذه الدول الفقيرة لم تك تحتوي على فائض يمكن ان يستوعب كل ازمة الراسمالية وتناقضاتها فتفجرت الازمة في الاطراف ، ليس كتعبير عن الثورة فحسب ولكن كدلالة على ان الراسمالية لم يعد بامكانها تصدير فائض ازمتها خارج المركز الراسمالي .الان اصبحت الراسمالية لاتوجه ازمة سياسية فقط او ازمة في فائض الانتاج لكي تتمكن من تصديره مجددا الى المحيط القريب او الى الاطراف ، بل ان الازمة اليوم تتجلى في مظاهر ثورة اجتماعية تتبلور في العمق الراسمالي ، سيما بعد ان فشل ساسة الغرب تفسير هذه الازمة بناء على مقولتي التطرف الاسلامي او الهجرة . ان احداث الشغب وثوة شباب الضواحي في باريس قد تكررت بعد عامين في الدانمارك وبعدها تم استنساخ الاحداث مجددا في شوارع لندن ، والآن تتبلور في ساحات وشوارع المدن الكبرى في الولايات المتحدة . سنشهد بعد حين حشودا من الجماهير في نيويورك و سان فرانسيسكو ومدريد وليفربول ومرسيليا وبرشلونة .كثير من الباحثين توصلوا الى قناعة مفادها ان الرأسمالية في طريقها الى الانهيار ، ولكنني اعتقد ان الاحداث ستتسارع ، بما لايمنح فرصة لكل الاطراف ان تستوعب الصدمة او امتصاص زخمها ،ان الانفجار قادم وهذه المرة سيكون في قلب العالم الاوربي وقلب القطب الامريكي ، ومن يدري قد يحتفل العالم في ذكرى احداث سبتمبر في العام القادم على انقاض ماكان يسمى يوماً ما الولايات المتحدة الامريكية .ان العالم سيشهد ماهو اخطر من الاحتباس الحراري او التسونامي .
إن مأزق العالم الغربي اليوم يتمثل في صورتين أحلاهما اكثر ظلاما من الأخرى فقد أصبحت أمريكا تشكل عبئا أخلاقياً على منظومة الحضارة الغربية من جهة وعلى الجانب الآخر فان انهيارأمريكا لايمثل خطرا على نفسها كدولة ولكنه يمثل حالة ترعب الكون بكامله لان هذا الانهيار سيؤدي الى انهيار منظومة التوازنات العسكرية والاقتصادية التي كانت تحكم العالم بموجب قواعد اللعبة التي يصنعها الكبار ، حيث ستفقد المنظومة الكونية توازنها وسيؤدي ذلك الى كارثة شبيهة بانفلات الكواكب من مدارها ،والأخطر من كل ذلك سيجد العالم نفسه امام انعدام مرجعية أخلاقية تحكمه بعد انهيار ثقافة الراسمالية والتي سبقها انهيار منظومة الفكر الشيوعي مما سيترتب عليه ان يعود العالم الى التصنيفات الدينية والقبلية التي سبقت قيام الحضارة .ويبقى السؤال الاخطر : كيف سيعيش بعض الحكام في تلك المحميات التي كانت تستمد شرعيتها من المارد الامريكي والعصا الغليظة للاطلسي ؟؟ ومن سيشتري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

القاضي أحمد الرحموني: المظاهرات الشعبية.. من يستمع اليها!؟

تونس – السفير بقلم: القاضي احمد الرحموني من الواضح ان المعطيات الواردة سواء من جهات …