تونس – السفير
بقلم: عبد الحكيم قعلول (باحث جامعي وناشط تونسي)
لا يوجد سبب يمنع التونسين من الشعور باليأس وخيبة الأمل . فهذا رد فعل طبيعي عندما تخذل التوقعات وتتحطم الأحلام. لكن الأمر غير الطبيعي هو العزوف عن المشاركة، لأن بذلك يتم التغاضي عن الحدث الجلل الذي وقع وهو الثورة، الحدث الذي خلخل ثوابت الوضع الراهن مشكلًا واقعًا مختلف جذريًا عما كان عليه قبل الثورة. ولا شك أن الذين كانوا يتوقعون حدوث صدع ومقاومة أصيبوا بالإحباط بسبب تلك البلادة اليومية القاسية. لكن علينا ألا ننخدع أو نحبط بسبب هذه الاوضاح الظاهرة، لأنها في حقيقتها لا تعد مؤشرًا على الرضا أو الرضوخ الشعبي، وإنما هي تنبع من القوة الداخلية للحياة نفسها، وتتمثل في الحاجة إلى ضبط النفس. هي مجرد آلية للاستمرار على قيد الحياة في الأوقات العصيبة. والحقيقة أن تونس قد شهدت أحداث اجتماعية استثنائية وفرخت فيها احتمالات مفتوحة. وفي ذلك المجال المحمل بالاحتمالات يطرح الاستسلام والعزوف عن المشاركة، بينما تجد الروح الثورية مساحات جديدة.
لا يوجد شك أن الثورة المضادة عاقدة العزم على استعادة أجهزة الدولة، واحتكار الإعلام، وتقييد المجتمع المدني، وإعادة إرساء القوانين القمعية، بشكل أكثر تصميمًا من ما قبل 2011. ومن أجل تحقيق غايتها والبقاء على قيد الحياة سوف تلجأ على الأرجح إلى أيدولوجية تخلط الحركة الدستورية التجمعية الشوفينية والليبرالية الجديدة من ناحية بالتدين المحافظ. لكن هذا النظام قد لا يستطيع أن يحكم مجموعة من المواطنين قد مروا بتحولٍ كبير. فقد مرت قطاعات كبيرة من سكان المدن وخاصة من الاحياء الشعبية والريف الفقير، والعمال بالمصانع، والطبقة المتوسطة المعدمة، والشباب المهمش العاطل عن العمل والحامل لشهائد عليا، بلحظات نادرة من الحرية، حتى وإن لم تدم طويلًا، وانخرطت في مساحات غير مقيدة من الوعي الذاتي، والهيجان الجماعي. فلقد وجه الشباب الثوري اتهامات إلى من يفوقونهم في العمر بعدم المبالاة والتواطؤ، إلا أنهم حازوا في الوقت ذاته على احترام وتقدير الجيل الأقدم لنشاطهم وتضحياتهم الاستثنائية. لقد طالب العمال بمحاسبة أربابهم في العمل، وطالب المواطنين بمحاسبة السلطة الأخلاقية والسياسية و الاعلامية. وكانت هناك أوقات تجلى فيها التضامن الجماعي بصورة خلاقة خاصة اعتصامات القصبة . لقد عاش الشعب لحظات ثورية بدا لهم فيها “أن الفعل الصواب خطأ، والفعل الخطأ صواب”.
لقد تحولت ذكريات تلك الأحداث الاستثنائية وما خلفته من مخزون معنوي إلى جزء من الوعي الشعبي. وقد تصبح هي الأساس المعياري لتصور وبناء مجتمع به نظام اجتماعي شامل معني بالتضامن وروح المساواة والعدالة الاجتماعية. والحقيقة أنه حتى لو كان إصلاح الدول السلطوية يتطلب أشكال مختلفة من النضال الدؤوب، فإن التغيرات التي طرأت على الحس المجتمعي لا غنى عنها للوصول إلى التحول الديمقراطي المنشود. ومن هذا المنطلق تتعدى الثورة مجرد كونها تغيير في النظام وإصلاح للدولة. فإن إصلاح الدولة ـ بقدر ما هو مهم وضروري ـ الهدف منه أيضًا رعاية وتسهيل إنشاء نظام اجتماعي جديد وشامل وقائم على المساواة. وطبقًا لرؤية قرامشي فمن الممكن أن نعمل على هذا المشروع حتى في ظل الدول السلطوية والاقتصادات الليبرالية الجديدة. فلابد للمجموعة الشعبية ان تستلهم الشجاعة والإبداع اللازمين للتأكيد على الإرادة الجمعية في مواجهة كل الصعاب من خلال التحايل على القيود، واستخدام ما هو متاح، واكتشاف مساحات جديدة بداخلها لتجعل صوتها مسموعًا ومرئيًا ومحسوسًا ومدركًا كحركتي وينو البترول وينو الشغل.
وفي تلك الأثناء لا مفر من أن تؤدي المواطَنة الفاعلة إلى إضعاف قدرة الدولة السلطوية على الحكم، لأن الدولة عادة لا تحكم من فوق المجتمع ولا من خارجه، بل تحكم من داخله من خلال تمرير منطقها في نسيج المجتمع. وإن تحدي تلك القواعد والعلاقات والمؤسسات سيؤدي إلى تقويض شرعية سياسة الدولة وإضعاف قدرتها على الحكم. والحقيقة أن المواطَنة الفاعلة من شأنها أن تفعل ما هو أكثر من ذلك، بأن تجبر سياسة الدولة وتكيفها على اتباع القيم التي يتبناها المواطنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

القاضي أحمد الرحموني: المظاهرات الشعبية.. من يستمع اليها!؟

تونس – السفير بقلم: القاضي احمد الرحموني من الواضح ان المعطيات الواردة سواء من جهات …