لا تأخذني… لم يتجاوز عمري الاثنتي عشرة سنة بعد

غصت الحافلة المنطلقة من “ميليافينا” في إتجاه نقطة تبادل الأسرى بنساء من كل الأعمار… أسيرات حرب مسلمات. على طريق “درينا” سكت صوت المحرك فجأة و صعد أحد الجنود الصربيين ممن أرسلهم الضابط “رادوفان ستانكوفيتش”. تأمل جيدا في الراكبات وقع نظره على طفلة في الثانية عشرة من عمرها تجلس بجوار أمها، سار في إتجاهها و حين أصبح قبالتها مباشرة أمرها بالذهاب معه فأجابت “لا تأخذني… لم يتجاوز عمري الاثنتي عشرة سنة بعد.” تشبثت الأم بصغيرتها، إفتكها الغريب، صاحت الأم، بكت ثم أغمي عليها. و ذهبت الطفلة مع أسيرات أخريات رفقة الجندي و لم تترك خلفها غير لعبتها المدللة، دميتها الملقاة على أرضية الحافلة.
بينما كانت إحدى البوشناقيات الأسيرات تتجول في محيط مبنى خصص ليكون معسكر إعتقال، طرق مسامعها صوت بكاء وما إن اتجهت نحو مصدره حتى فوجئت بوجود طفلة تعاني نوبة حادة من الغثيان تبكي بمرارة. صاحبة الدمية، ضحية منظومة عالمية من الفساد و الإجرام، ألميرا بيكتوفيتش التي بلغت من العمر 12 سنة عام 1992 وقعت فريسة بين يدي نيدو سمارزيتش… مسخ في ثوب إنسان نال من شرفها المرة تلو الأخرى و أجبرها على العمل خادمة قبل أن يبيعها بمئتي مارك إلى أحد أبناء جلدته.
حتى الآن منذ أكثر من عقدين لم يسمع أحد أي خبر عن الطفلة ألميرا و يرجح أنها قتلت.

مريم… دعيني أحلم
أنهم رفاق لي
وغطاء… في السجن المغارة المهد
والمنارة أنت… مريم
دعيني أحلم
أن الباب يفتح…

من نص “رؤى عن البعث والحصار”

مستقلا الميترو المتجه إلى محطة باب سعدون في تونس العاصمة، نظرت صوب بقايا مبان أنشئها المستعمرون في القرنين التاسع عشر والعشرين على الأغلب… تسائلت “هل أنهم يتناسونك لفزع من تاريخ دامي مغيب تثيرينه في نفوسهم البالية أم خوفا من مستقبل تهدم فيه أركان نظامهم المصفر رطوبة وخنوعا؟”

لماذا ننسى؟

في الأشهر الأولى من سنة إحدى عشرة وألفين عثر على رجل أقرب إلى الموت منه إلى الحياة مكبلا بالأصفاد، يتآكله الدود والنسيان في مستشفى “شارل نيكول” الكائن على مقربة من سجن 9 أفريل الذي لم يبقى منه اليوم غير الأرض التي بني عليها وذكريات بطعم الدم والحديد.
قيل حينها أن ذاك الشخص “عبد المالك السبوعي” سجين حق عام متهم في قضية سرقة تم إرساله إلى المستشفى بعد أن تعرض إلى أزمة صحية… ووقع الإحتفاظ به هناك!
أخذ عدد من النشطاء الحقوقيين وقلة من الصحفيين على عاتقهم مهمة متابعة الملف تحقيقا وتعريفا وكانت النتيجة أن وقعت تعبئة للرأي العام حول القضية، ولعل الزخم الثوري الذي عرفته البلاد حينها كان أبرز العوامل في نجاح هذا التحرك نسبيا.
بعد مدة من النسيان إشتدت المطالبة بكشف حقيقة ملف شيخ “الشارل نيكول” خاصة حين تعرف أحدهم على “عبد المالك السبوعي” بعد مشاهدته لمقطع فيديو يوثق اللحظات الأولى للعثور على الشيخ الحي الميت… “عماد الأزرق” أكد أن عبد المالك لم يكن إلا والده الشيخ “أحمد محمد الأزرق” الذي صرحت السلطات أنه أعدم رميا بالرصاص في نهايات فترة حكم رئيس البلاد الأسبق “الحبيب بورقيبة” وما زاد من الشكوك أنه لم يتم العثور على رفات أحمد حتى يومنا هذا. ويختفي شيخ الشارل نيكول وتتهرب السلطات من تحمل مسؤولياتها… وينسى الملف.

تُنسى كمصرع طائر

ككنيسة مهجورة تُنسى

كحب عابر

وكوردة في الليل… تُنسى

محمود درويش

16 سبتمبر 1982، لبنان… صبرا وشاتيلا… قربان الهيكل…
“وين العرب؟” سؤال إستنكاري برائحة الموت المنتشرة في أنحاء المخيم وعلى مناطق واسعة من الشخصية الإسلامية والعربية أطلقته إحدى ثكالى صبرا التي قال درويش أنها صورة حية لنزول الروح في حجر…
بين 328 و 3000 شهيد على الأقل ارتقوا في هذه المذبحة حسب ما ذكرت مصادر مختلفة!!! هكذا من رقم إلى عشرة أضعافه مرة واحدة تؤكد التقارير اللامؤكد وتلعب المنظمات ووسائل الإعلام، والكيانات دولا وجماعات دورها في ترسيخ النسيان وتأصيله في مجتمعات استسلمت للمحاولات المتعددة والمتواصلة إلى حد هذه اللحظة والهادفة الى طمس ذاكرتها وإرادتها تحت قصف فكري عنيف مستمر لتنعم بالاستهلاك ولا شيئ غير الإستهلاك.
“وين العرب؟”
أماه كم تمنيت أن أمسك بيدك وأسئلك “بل أين المسلمون؟”
أماه… تراهم سلبت إرادتهم… غثاء كغثاء السيل. أماه هاهم يستهلكون.

ولا يزال السؤال مطروحا على الرصيف والموانئ والشطآن وفي كل مكان ينزل فيه لاجئ “لماذا ننسى؟ وكيف بعد كل هذا ننسى؟”

لست متشائما

لكني لا أنسى هذا الغار على جبيني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

القاضي أحمد الرحموني: المظاهرات الشعبية.. من يستمع اليها!؟

تونس – السفير بقلم: القاضي احمد الرحموني من الواضح ان المعطيات الواردة سواء من جهات …