تونس – السفير

يستهدف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تركيا وحدها كلما تحدث عن المنطقة المغاربية، ومن خلال تركيزه الزائد على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ينسى ساكن الإليزيه في أوج تحامله، أن التهديدات الأكثر خطورة على النفوذ الفرنسي في المنطقة المغاربية يأتي بالدرجة الأولى من روسيا والإمارات العربية المتحدة.

بهذه المقدمة، دخل المؤرخ الفرنسي البارز والبروفيسور المختص بقضايا الشرق الأوسط جان بيير فيليو -في أحدث مقال بمدونته على صحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية، ليذكر بتصريحات ماكرون التي ما تزال تثير البلبلة بين باريس والجزائر، حيث هاجم بشدة “التضليل الإعلامي” و”الدعاية” التي ينشرها الأتراك في المغرب العربي، متهما إياهم “بإعادة كتابة التاريخ هناك بالكامل”، حتى أنه ليذهب به الحماس إلى تشبيه “استعمار” الجزائر المفترض من قبل “تركيا” باستعمار فرنسا لها.

دعم موسكو الثابت للجزائر

ورأى البروفيسور فيليو أن عمى الرئيس الفرنسي في المنطقة المغاربية ينبع مباشرة من السياسة المعيبة التي اتبعها في ليبيا خلال السنوات الثلاث الأولى من ولايته، حيث كان، تحت غطاء “المصالحة” مع حكومة طرابلس المعترف بها دوليا، يقدم في الحقيقة الدعم الحاسم للواء المتقاعد خليفة حفتر، مما شجع هذا الأخير على إعادة إطلاق الحرب الأهلية عام 2019 ونسف جهود الوساطة الأممية.

وهكذا كانت فرنسا تنضم في تكتم -كما يقول فيليو- إلى معسكر العرابين البارزين لأمراء الحرب في شرق ليبيا، كالإمارات وروسيا ومصر والسعودية، إلا أن هجوم حفتر انتهى بإلقاء حكومة طرابلس في أحضان تركيا، التي قلب تدخلها الوضع العسكري، وجاء بالهزيمة التي مكّنت من بدء عملية السلام الليبية الحالية التي انضمت إليها فرنسا هذه المرة بإخلاص.

واستغرب الكاتب التساهل الفرنسي تجاه الأهداف الروسية في شمال أفريقيا، والنظر في الوقت نفسه إلى الطموحات التركية على أنها معادية في الأساس، رغم أن موسكو هي الشريك العسكري الرئيسي للجزائر، سواء من حيث إمدادات الأسلحة أو تدريب الكوادر، “فمن المفارقة أن نسمع الرئيس الفرنسي يدين النظام السياسي في الجزائر ويصفه بالمناهض للفرنسيين، دون أن يذكر أبدا حليف الجزائر الخارجي الرئيسي روسيا، خاصة أن ماكرون لا يتردد في انتقاد السلطات في مالي عندما تفكر في اللجوء إلى “المرتزقة” الروس.

عمى فرنسا عن الإمارات

وينبه الكاتب إلى أن الرئيس الفرنسي يتحدث بوضوح عن قربه وحتى عن تواطئه مع محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي لدولة الإمارات، ويستقبله بأبهة في مسرح نابليون الثالث، وكأن معاهدة السلام الموقعة في سبتمبر/أيلول 2020 بين إسرائيل والإمارات قد أزالت كل تحفظات الإليزيه المتبقية بشأن دبلوماسية أبو ظبي.

وهكذا يلتقي -حسب فيليو- هوس الطرفين الإماراتي والفرنسي المناهض لتركيا، وتنسى باريس أن “محمد بن زايد نفسه يقيم علاقات مخزية مع أعداء فرنسا المعلنين، بدءًا من الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، وأنه بعد أن أذلته نكسات حفتر في ليبيا، يسعى إلى “الانتقام” من خلال تخريب التجربة الديمقراطية في تونس”، حيث لعبت الحوافز التي قدمتها أبو ظبي والقاهرة دورا رئيسيا في قرار الرئيس قيس سعيد في يوليو/تموز الماضي “بتعليق” العملية الدستورية في تونس.

وخلص الكاتب إلى أن الإمارات لا تلعب دور حفار القبور تجاه التحول الديمقراطي في تونس فحسب، بل تلعب أيضا دور مذكي الحرب في التصعيد الحالي بين الجزائر والمغرب، وكان على ماكرون أن يأخذ مثل هذه التدخلات المزعزعة للاستقرار في الاعتبار، خاصة أنها تأتي من جانب “الشريك الإستراتيجي” الذي يدعي أنه قريب جدا منه.

وختم بأمل ألا يأتي وضوح الرؤية الذي أظهره ماكرون تجاه السلطات الجزائرية، متأخرا فيما يتعلق بخطط الإمارات في المنطقة، وإلا فإن العلاقات الفرنسية المغاربية ستدخل في منطقة اضطراب متزايد، تستفيد منه تركيا بشكل طبيعي، دون أن تكون السبب فيه.

المصدر : لوموند

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

‎الاقتصاد التركي يحقق نموّا بنسبة 7.4 بالمئة

السفير – وكالات أعلنت هيئة الإحصاء التركية، اليوم الثلاثاء 30 نوفمبر 2021، عن ت…