تونس – السفير – مختار غميض


  • عبّد جهاد الليبيين الطريق نحو الاستقلال، فقد سجّل الليبيون بطولات خالدة في تصديهم للاستعمار، واستطاع المجاهدون من أبناء البلاد، إنزال ضربات موجعة بعدوهم، واستطاعوا أن يلفتوا أنظار العالم إلى قضيتهم، كل ذلك في إطار جهاد رباني مقدس دون توظيف سياسي أو مكاسب دنيوية مدنسة، فلم تنطفئ جذوة الجهاد حتى نالوا استقلالهم في نهايات الحرب العالمية الثانية، ثم أسست السنوسية الدولة الحديثة وعرف عاهلها بالورع والجهاد كمرجعيّة في مواجهة الانحراف والتطرف تحت شعارها “الجهاد الدائم في سبيل الله ضدَّ المستعمرين الصليبيِّين وغيرهم”، ثم بانقلاب القذافي الذي استغل مفهوم الجهاد في نزعات شخصية بعيدة عن تطوير الدولة الوطنية الحديثة، مما عجل بثورة شعبية على نظامه الجماهيري منتفعة بالإرث التاريخي لليبيين في مقاوة الاستعمار الطلياني وتوظيفه للتحرر الداخلي من الاستبداد، لكن مع نجاح أول ثمرات الثورة، انقلب حفتر على أول برلمان منتخب، موظفا الحرب على الإرهاب والجهاد ضد الإرهابيين، لإقصاء كل نفس سياسي معارض في سبيل الإجهاز على الانتقال الديمقراطي وتنصيب نفسه قائدا عسكريا.


اصطبغ مفهوم الجهاد في تاريخ ليبيا المعاصر بتعبيرات متعددة، ومتشابهة، حتى أن مصطلح الجهاد والمجاهدين غلب على مصطلح الثوار أو المقاتلين، فكانت صفحته الأنصع منذ بدايات القرن العشرين رغم الحاجة والخصاصة إلى الآن، رغم توظيف الدين من الفاعلين السياسيين من حرب التحرير الأولى ضد الاستعمار إلى حرب التحرير الثانية ضد نظام القذافي إلى حرب حفتر الانقلابية.
وارتبط مفهوم الجهاد بمفهوم الغزو والعلاقة السببية المباشرة بينهما، فطالما كان الاستعمار الإيطالي اجتياحا عسكريا مباشرا ظهر الجهاد مباشرة.



1) جهاد الليبيين ضد الطليان

تعج صفحات التاريخ الليبي ببطولات المجاهدين في معارك الجهاد والاستشهاد التي خاضها الأجداد بدمائهم في سبيل الله لتحرير أرضهم من دنس المستعمر.
وكان المعجم الديني المقدّس وقتئذ غير قابل للتوظيف ولا للتحريف، ولا البيع أو الشراء أو زيغ الأهواء، بل كانت حينها العمليات الجهادية عفوية لا جدال فيها ولا استفتاء، انطلاقا من واجب دفع العدو والصائل الغازي، الذي لا يناصره وقتها إلا صاحب الحق ولا يعارضه الا خائن عميل أو مخبر، ليس غيرهما.
ومع امتداد مطامع إيطاليا نحو ليبيا أواخر سنة 1911، بعد احتلال جارتها فرنسا لتونس والمغرب والجزائر، فمن الطبيعي أن يبدأ عامل الجهاد يعتمل في نفوس الليبيين مبكرا دون الحاجة إلى ولي أمر يدعو إليه، مع انكشاف نية إيطاليا المبيتة بإرسال بعثة إلى طرابلس في 1910 بحجة التنقيب عن الآثار، بينما لم تكن سوى عمليات تصوير توبوغرافي عسكري تمهيدا للغزو.
وتفطن الليبيون إلى الأغراض الحقيقية للبعثة، رغم عنصر المفاجاة وعدم جهوزية البلاد للمقاومة والجهاد؛ من حيث نقص التسلح والعتاد.
كما لم تكن الأوضاع العسكرية والسياسية في ليبيا بالقدر الذي يمكنها من التصدي للإيطاليين أو جهادهم، في وقت أدت فيه الحالة الاقتصادية السيئة التي تمر بها ليبيا إلى هجرة كثير من أصحاب الكفاءات، لكن ذلك لم يمنع من تعبئة القوى الوطنية لمقاومة الاستعمار القادم.
فكان ذلك إذنا، ببداية معارك الجهاد ضد الاستعمار الإيطالي ومن أكبر المعارك في تاريخ الجهاد الليبي سطر فيها اللييون أفضل الانتصارات ضد الغزو الذي حمل كذلك في طياته بعدا “صليبيا” واضحا.
نعم ارتبط غزوهم لأكثر من ثلاثين سنة ومنذ توجه أساطيلهم نحو ليبيا، بمسحة دينية مقدسة، بمباركة من القساوسة الطليان، فدقوا النواقيس وأقاموا الصلوات، ووزعت في طقوسهم الصلبان على جنود الحملة.
كما بالغوا عند كل مناسبة في الاحتفال بكل نصر في كنائسهم، ثم لم تجاوزوا ذلك لإقامتها في طرابلس ذاتها، شاكرين الرب على إحلال الصليب المقدس بدل الهلال؛ مما زاد استفزاز المجاهدين.
وإضافة لطابع القداسة لحربها، برّرت إيطاليا غزوها بأكاذيب عدّة، أبرزها تراخي الإمبراطورية العثمانية..، فاحتلت ليبيا احتلالا عسكريا مباشرا بحجّة الحفاظ على مصالحها ومصالح ليبيا لتستعيد ريادتها، بل طالبت العثمانيين بمساعدتها على احتلال “الشاطئ الرابع لروما”، في ظرف لا يتجاوز أربع وعشرين ساعة!
و مما زاد في هذا الاستفزاز هو استهانة الإيطاليين ب”الرجل المريض” وخاصة تركته، مما استفز الشعب الليبي لإشعال جذوة جهاده.
ولم تكد تمضي المهلة الزمنية حتى اندلعت معارك الجهاد مع العدوان الايطالي على طرابس في سبتمبر 1911 وبمجرد سقوطها بدأت أكبر المعارك بين المجاهدين وبين الإيطاليين على تخوم طرابلس.
وكان شهر اكتوبر 1911، إعلانا إيطاليا لبسط سيادتها على طرابلس رغم شدة جهاد الطرابلسيين، ثم هاجم الإيطاليون برقة، واستطاعوا احتلال طبرق ودرنة وتوجهوا إلى بنغازي والخمس، فتكون حزام من المجاهدين من الليبيين والأتراك بحماسة شديدة، بالإضافة إلى عدد كبير من الشخصيات العربية.
واتسمت تلك المرحلة من الجهاد الليبي بالهجمات الخاطفة، التي أصابت تمركزت العدو في كافة المناطق المتفرقة، رغم تصدى الإيطاليين لهم بوحشية كبيرة.
ومن باب الإنصاف القول إن جدار الصد الايطالي خلخل محاور المجاهدين؛ بفعل نوعية السلاح وحداثته، وطبيعة الجيش النظامي محكم التنظيم، ناهيك عن تحالفات روما مع كبرى الإمبراطوريات الاستعمارية.
وعلى كل ذلك، لم يكن الغزو الإيطالي فسحة ولا رحلة عادية أمام صبر والروح القتالية للمجاهد العربي المسلم الحافظ لكتاب الله منذ صغره والذي يدعو فيه لقتال الاستعمار.
وبالعودة إلى تاريخ الجهاد في ليبيا، فقد خلفت تلك المعارك قادة مجاهدون كبارا، وزعامات وخطط في حركة الجهاد ضد الغزو الايطالي، أربكت حسابات الغزاة في عهديها ماقبل الفاشستي وما بعده.
وبذلك يمكن الاسشهاد بملاحم جهادية، كملحمة الشقيقة بترهونة، ومعركة القرضابية بسرت ومعركة بو مليانة والمنشية والهاني كأوّل معارك الجهاد بمدينة طرابلس.
وتشهد كل تلك الوقائع مدى قوة الوازع الديني وعقيدة المجاهد التي غلبت نظيرتها عند العدو، فكانت أقوى سلاح فتاك، حتى أن أعدادا كبيرة منه وقعت في الأسر وجرى استخدامهم عند الأهالي، بل شعر الطليان بالفرح عند مبادلة أسراهم، وحولوا هزائمهم نصرا، حسب شهادات المقاومين المنقولة.
فتوحد المجاهدون من العرب والأتراك على كلمة رجل واحد، وكان الفلاقة التونسيون (المقاومة المسلحة) يتعاونون معهم للتصدي للإيطاليين وكسب الخبرات ونقل السلاح
كما وحد عامل الجهاد الخلافات بين الفقيه المجاهد أحمد الشريف السنوسي (حفيد محمد بن علي السنوسي مؤسس الحركة السنوسية) المتواجد في واحة الكفرة والعثمانيين، فتولى قيادة الحركة السنوسية بعد عمه، محمد المهدي (والد الملك إدريس السنوسي).
وكانت زعماته بداية لتوحيد الصفوف، وتجميع الناس تحت راية واحدة هي الجهاد بالمعنى المعهود في الإسلام دون خروج عن التكليف الرباني أو أي توظيف، ولا لرياء أو شخصنة للمجاهد أو مجاهد من أجله، ويُروى أن المجاهدين كانوا يربطون أرجلهم حتى لا يفرون من ساحات النزال وهم يرددون “مرحبا بالجنة “.
كما فرض زعيم السنوسية، في ندائه إلى القبائل ومشايخ الزوايا المتناثرة، الجهاد على كل عربي مسلم ما بين سن الأربع عشرة والخمس والستين للخروج لإعلاء كلمة الله.
لا بل تؤكد الروايات أن السنوسي خرج قبلهم لمنازلة جحافل الاستعماريين، مسنودا بكبار الطريقة السنوسية، بل وأشهد العرب أن السنوسيين سيقاتلون تحت لواء الدولة العثمانية، حتى لا يخرج عن وحدة الصف وإثارة الفتنة والتقسيم في البلاد، أو يخرج من أهداف الجهاد كما أرادها الله، وبالتالي تبرئة ذمته من أي حيف أو استغلال لمقاصد الجهاد في الشريعة.
وكنتاج لذلك الفهم ومراميه، تدعّم المجهود الجهادي أكثر، وصار المجاهدون الليبيون أكثر تأطيرا وإقبالا على المقاومة وبذل الروح في سبيل الله دون غيره من زعامات أو زوايا داخل ليبيا أو خارجها، مما عزز عزائم المترددين والمثبطين، فأقبلوا أفرادا وزرافات تجمعهم روح التطوع بدمائهم دون عائلاتهم وأرزاقهم إلا لمعاضدة جهاد الشعب الليبي.
وبذلك أشعت صحراء برقة بنور الجهاد الربّاني، وأصبحت مقرا للسنوسية، ومرجعية لاستفار الزوايا للقبائل التابعة لها، وتحشيد العثمانيين ضد الإيطاليين للإقبال تحت دعوة الجهاد على مواجهة توسع الإيطاليين في ولاية طرابلس.
وإلى ذلك انفتحت الحركة السنوسية على الصوفية لكن لم تكن نمطية مثلها، بل مجددة منفتحة على الحياة السياسية، دون تجيير مفهوم الجهاد في سبيل الله لصالحها، بل دعت الجميع للجهاد ورفضت جور الحكام مهما كانوا، وهي مبادئ انتهجتها المدرسة السنوسية مما لقي أكبر الأثر في تدفق جموع المجاهدين والمتطوعين على المعسكرات العثمانية لتعزيز قوات العثمانيين والمجاهدين العرب.

كما تدعم الجهاد خارجيا، حيث أعلنت تركيا تأييدها لليبيين بقيادة أحمد السنوسي، ومناصرتهم في حربهم ضد عدوهم المشترك خاصة مع معاداة العثمانيين لإيطاليا مع بداية الحرب العالمية الأولى.
وبهذه المساندة الكبيرة التي حظي بها جهاد الليبيين، أحس الإيطاليون بخطورة ذلك على واقعهم الجديد ومستقبلهم، فسارع المحتل إلى بث الفرقة، وأصدر القائد العسكري كارلو كانيفا بيانا وقعه بلغة الليبيين أوضح فيه أن غايتهم هي تحريرهم من العثمانيين، ورعاية مصالحهم.
كما كان البيان غاية في تذلله للشعب الليبي باسم الدين، واحترام الشرائع والتقاليد السماوية، لكن في ظل السيادة الإيطالية، لكن الليبيين تفطنوا إلى خداع الإستعمار ومزاعمه في سحب البساط من تحت المجاهدين لما شعر بخطورة رفع راية الجهاد ضده، وكان المجاهد عمر المختار أحد رموز الجهاد، الذين حاربوا تحت قيادة الفقيه المجاهد أحمد الشريف ثم عقبه محمد إدريس السنوسي.
وفي أسواء حالات الجهاد وضعف نتائجه، اعترفت إيطاليا بحكم السنوسي في 1920حاكما مدنيا، لا عسكريا، على برقة.
وفي طرابلس كذلك، وعقب الحرب العالمية الأولى حيث خرجت إيطاليا مستنزفة، اعترفت إيطاليا بقيام الجمهورية الطرابلسية، تحت سيادة الملك الإيطالي، إضافة لتشكيل مجلس نواب محلي، ومجلس آخر حكومي يشتركان في الحكم، في تجربة قريبة جدا من ديمقراطيات اليوم.
وكانت هذه التجربة وراء ظهور زعامات مجاهدة مثل أحمد المريّض، وسليمان الباروني ورمضان السويحلي، بينما تم توقيع اتفاق إعلان الجمهورية في جامع مدينة مسلاتة وفي ذلك بعد آخر للجهاد الليبي المقدس.
فكانت الجمهورية الطرابلسية أوّل جمهورية في العالم الإسلامي والعربي، رغم أنها لم تعمر طويلا، لكن ذلك لم ينه جهاد الليبيين.
وظل مصطلح الجهاد لآخر كلمات قالها الشهيد عمر المختار وهو في عمر ثمانين عاما ملؤها الجهاد والتضحية، قبل شنقه، وهو يردد: “نقاتل من أجل ديننا وحريتنا”.
ونحسب أن جهاد أولائك رغم كونهم كانوا عزلا فقراء لكن تشبعهم بقيم الصبر والجهاد الصادق، أمدّهم الله بجنود من عنده فنصرهم، حتى تم خروج آخر جندي إيطالي من ليبيا في 25 جانفي 1943.



2) الزحف المقدس أو “الجهاد” عند القذافي

لم يوظف معمر القذافي مفهوم الجهاد مثلما وظفه إبّان الثورة الشعبية على نظامه في 2011، رغم توظيفه له عند ثورته المزعومة المعروفة بثورة الفاتح من سبتمبر 1969، كاستمرار للجهاد ضد المستعمر الإيطالي الذي انتفت الأسباب العملية لجهاده.
حيث قال في أوّل خطاب له الذي وججه الى الشباب عماد الحراك الشعبي، وقال ان ليس عندهم قبائل ، فالقبائل الليبية ؛ قبائل شريفة ومجاهدة ومكافحة ، تتقاطر عليّ في هذا الشهر!
لكن قبل ذلك بكثير ومنذ تنفيذ انقلابه عام تسع وستين كان القذافي يوظف الجانب الديني واعتمد عليه في استدرار عطف الشعب الليبي كيف لا وهو الذي لقب نفسه برسول الصحراء، وبالمفكر والإمام، وألف كتبا في ذلك.
كما وظف البعد القبائلي مستمدا دورها في الجهاد على طول تاريخه، بل اعتبر ثورته تواصلا للجهاد ضد مخلفات الاستعمار.
فسعى لخطب ود ولاءات القبيلة للتوظيف ذلك اجتماعيا، وما لها من انعكاس سياسي، وبدا ذلك في إحيائه لذكريات معارك الجهاد وخطبه الحماسية التي تظهره في صورة المجاهد وسليل المجاهدين، ولو كان كذلك ففي ذلك تضخيم وتفخيم وتوظيف.
وهو نفس الإطار الذي لم يخرج عنه القذافي في اعتبار انقلابه كان سببا في استكمال تحرير ليبيا وإنهاء الوصاية عليها عبر إجلاء القواعد الأمريكية والبريطانية والفضل كل الفضل لنظام العقيد وحده، والحال أن هذا الجلاء جاء استكمالا لاتفاقيات أبرمتها المملكة الليبية تحدد سلفا رحيل القوات الأجنبية، بل هناك من يؤكد أن الجلاء الأجنبي كان بضغوط شعبية لا ترغب في تجديد تلك الاتفاقيات، الأمر الذي يفند مزاعم فضل العقيد وجهاده.
كما وظف مؤسسات الدولة وجمعيات دينية، وكان يعتبر نفسه إماما للمسلمين ورئيسا المثابة الثورية العالمية التي كانت وكرا لأكبر العمليات الاستخباراتية، وكان يترأس جمعية الدعوة الاسلامية العالمية التي أسسها بنفسه بعيد انقلابه فكان فبدأ بها مشواره السياسي كداعية إسلامي أقرب للمتوصف، ثم في آخر حياته عاد لنفس نهج استغلال الدين، فقاد مسيرات في إفريقيا وأم جموع المسلمين بهم.
كما دعم القذافي “مركز الجهاد للدراسات التاريخية” وأثر فيه بقوة مما انعكس على حفظ الذاكرة الشعبية الليبية من خلال الضغط على المركز لإعطاء بعض الطقوس والمؤتمرات التعبوية ذات المغزى السياسي.
كما غير القذافي اسم المركز مرات ، بعد تدشينه بطرابلس سنة 1977، ليصبح بعد ثلاث سنوات “مركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي”، ثم غيره إلى “مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية”، كما أزاح جزءا من مهام المركز ودمر بعض محتوياته من الآثار الموسيقية موظفا كل ذلك في إطار خدمة مشروع الشخص ونظريته الفريدة والزعيم المتسيد على كل شئ.
صفة القداسة تلك التي أضفاها معمر القذافي على نفسه، وضعها كذلك في العملة المالية فطبع صور معارك الجهاد الخالدة على أوجه العملة النقدية، في توظيف مفرط للدين في السياسة.
كما وظف نظام العقيد شخصية المجاهد عمر المختار شيخ المجاهدين في إلحاق اسمه بالمدارس والجامعات في نطاق جماهيريته وسلطته الشعبية، وموّل شريط الوثائقي الذي يسجل سيرته النضالية، كجزء ورمز من رموز جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي، كله في إطار الاستئثار بقيم المجاهد والتشبه به، والتمسح بإرثه كامتداد له، لجلب الاحترام والتقدير لدى عامة الليبيين.
وإلى آخر حياته ظل القذافي يتحدث باسم الجهاد، وقد دعا إليه ضد سويسرا قبل عام فقط من الثورة عليه بحجة منعها بناء المساجد، لكن في الحقيقة تبين أن ذلك كان وراء عامل سياسي، وهو توتر العلاقات منذ صيف 2009 بعد توقيف إبنه هانيبال وزوجته في جنيف بعد شكوى تقدم بها إثنان من خدمهما بتهمة سوء المعاملة.
لكن في 2011 حصحص الحق، فعجز القذافي عن تعبئة الجماهير لصالحه كما كان يفتخر في كتابه “أربعة آلاف يوم من العمل السري”، فلجأ إلى المعجم الديني كعادته.
كانت لفظة “الزحف المقدس”، والتي يقصد بها الجهاد، هي أوّل مفردات العقيد في كلمة له بعد أن عمّت المظاهرات المطالبة بإسقاط نظامه أرجاء ليبيا.



3) فبراير “ثورة التكبير” وتبني إرث المجاهدين

لم تؤسس ثورة فبراير ل”جهاد جديد” أو توظفه لصالح شخص (ديني أو سلطوي أو عسكري)، وهي التي لم يقدها أحد، بل ببساطة اتبعت إرث المجاهدين المؤسسين، ولم ترفضه أو تفرضه، فافتخرت به ولم تحتكره.
كذلك رغم كونها لم تتخذ من الجهاد عنوانا لأي حراك من تياراتها المتعددة، ولا قاعدة لاستصدار الفتاوي لقتال القذافي أو الخروج عليه، فقد جاءت ثورة فبراير في إطار مدّ شعبي عارم، وموجة إقليمية من الغضب على الأنظمة المستبدة كانت تعتمل في النفوس، حتى اندلعت من جارتها تونس ثورة كسرت حواجز الخوف، فكيف لا تتأثر بالجوار ؟
كما استندت ثورة فبراير على مواجهة الاستعمار الداخلي في إطار موجة ثانية من مسلسل التحرر الوطني (بعد موجة التحرر من الاستعمار الخارجي) من نظام استبدادي شمولي بدد الثروات وأنهك الشعب في معارك جانبية وشخصية.
لذلك اعتمدت الثورة على عنصر الشباب، ونظرا لطبيعة الشعب الليبي في تدينه في بلد عرف ببلد المليون حافظ لكتاب الله، ومحافظته على نسيجه المجتمعي المسالم وارتباطه بالاسلام الوسطي مع وسطية المذاهب والأعراق الأخرى، فمن الطبيعي أن يطلق الليبيون عنوان “ثورة التكبير” على انتفاضتهم.
لكن مع ذلك لم يستغل المنتفضون أي شعارات دينية إسلامية لتوجيه رياح ثورتهم فكانت واصحة من البداية، ثورة وثوار لا تحتكر السلطة ولا الدين ولا توظف معانيهما، وفي ذلك تفسير لنجاح حراكهم ضد القذافي.
واستنادا إلى إرث أجدادهم الناصع في الجهاد كما بينا في الجزء الأول، تبنى الثوار نظرية الجهاد والاستشهاد في سبيل الوطن لمقاومة احتكار السلطة و مكافحة تبديد المال العام و رفض تجهيل الشعب، فكانت ثورة تجمع ولا تفرق، ليست موجهة لغير النظام مما أصابه في مقتل.
وربما من الجدير الإشارة أن ثورة فبراير كانت غاية في وعيها وتحديد أهدافها فلم تذكر مفهوم الجهاد إلا عندما واجه ثوارها في قوات “البنيان المرصوص” مايعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في سرت، وذلك عن قصد لمنع احتكار الدين في مشروع الدولة الليبية الجديدة المراد لها أن تكون دولة مدنية، ليست دينية ولا شمولية ولا عسكرية، وإلا كيف يكون الجهاد والحال أن “البنيان المرصوص” التابع لحكومة معترف بها دوليا، وقدم آلاف بين قتلى وجرحى ؟
كما أن في ذلك ما يفسر قطعا تفرغ الثوار بعد تطهير سرت من جماعات الإرهاب باسم الدين، للتوجه لمعركة جديدة وهي الحرب من أجل السلطة باسم مقاومة الإرهاب، وهو منها براء، وإنما فقط لتشويه الخصوم السياسيين، وهو النهج الذي يحاول خليفة حفتر تسويقه.
وبناء عليه، استحضر الثائرون في كل ليبيا صورة المجاهد عمر المختار، ونشيد الدولة الليبية، دولة الاستقلال، في غاية واحدة هي التخلص من الاستبداد والتطلع إلى الحرية والكرامة.
كذلك استلهمت ثورة 17 فبراير كل رموز الجهاد لدولة الجهاد السابقة ضد الطليان، من رمزية عمر المختار والعلم الوطني، فأطلقوا اسم الشهيد على كتائبهم الثائرة وتغنوا في ميادينهم، ورددوا اسمه في مظاهراتهم، ونداءاتهم إلى أحفاد عمر المختار، والحديث عن مشروع ليبيا عمر المختار على يد أحفاد المختار.
وبالتالي من الطبيعي أن يفتخر الثائرون براية النجمة والهلال التي اتخذها الشهيد عمر المختار شعارا له في الكفاح ضد الاحتلال.


4) حفتر و”الجهاد” ضد “الارهاب”

من “الإرهاب” إلى “الجهاد” إلى “الفتح” و”الزحف المقدس”، كلها عناوين عريضة ومصطلحات كثيرة اختارها اللواء المتقاعد خليفة حفتر منذ إعلان انقلابه على خيارات ثورة الليبيين.
تلك العناوين غلف بها حفتر تنكره لإرادة الشعب الليبي، والمؤتمر الوطني العام كأوّل مجلس نيابي منتخب في 2012 ، مستنسخا الانقلاب العسكري المصري، لكن بغطاء ديني مقدس لاستعطاف الناس.
اتخذ خليفة حفتر ذريعة مكافحة الإرهاب للترويج لانقلابه، مستهدفا كل مناوئيه السياسيين وأطياف المعارضة التي أفرزها التيار الثوري، في سلة واحدة، هكذا، دونما أي فرز بين تيارات سياسية تعترف بالعملية الديمقراطية وشاركت فيها وحصدت مقاعدة برلمانية، وأخرى إرهابية استفادت من مناخ الحرية الجديد وصنفت تنظيمات إرهابية قبل انقلاب حفتر في تونس، ك”أنصار الشريعة”، و”تنظيم الدولة الإسلامية”.
ولم يتورع حفتر عن استخدام ذلك العنوان العريض باسم مكافحة الإرهاب حتى طالت اعتداءاته كل مدن الشرق كبنغازي ودرنة ووصل به الحد لإرتكاب جرائم وثقتها الجنائية الدولية وطالبت بمحاكمة قيادات تعمل تحت إذنه، ناهيك عن الذين انشقوا عنه، كل ذلك بدعم عربي إقليمي معلن.
و على ذات عنوان مقاومة الإرهاب أعلن حفتر حربه على طرابلس مخلا بكل اتفاقياته السياسية الأممية وقبيل أيام على انعقاد مؤتمر للحوار الليبي.
وعندما اكتشف مقاتلوا حفتر أن ليس من بين من يحاربونهم في طرابلس إرهبايون، بعد وقوع كتيبة من قواته في الأسر في مدينة الزواية، انفضح الأمر أكثر لمن مازال يناصر حفتر وخاصة من المجتمع الدولي، فكان لابد من إيجاد عنوان آخر.
فحوّل حفتر العدوان على العاصمة إلى حرب مقدسة بعنوان الجهاد، ومما زاد في حسن توظيف ذلك المصطلح هو خيبة قوات حفتر على تخوم العاصمة بعد انكشاف أمر قوات دولية تقاتل إلى جانبه في شكل غرف عمليات عسكرية تحتل مدنا ليبية، كذلك قدوم شهر رمضان المعظم الذي عرف عند المسلمين بشهر الجهاد، جهاد النفس والعدو على حد السواء، والمآثر التاريخية والشواهد كثيرة.
وبدا حفتر حريصا على مصطلح الجهاد المقدس في الشهر المعظم، وقد سخر كل أنواع الدعاية في ذلك بدء من الأغاني الحماسية التي تروج للجهاد ضد الإرهاب، إلى رد الناطق باسمه على مطالب أممية بهدنة مع دخول شهر الصيام فتعلل بشهر الجهاد ولن يوقف الحرب فيه مستدلا بأنه تمت المحاربة فيه سابقا .
وهذا التوظيف للدين في سياق سياسي، أشارت إليه وكالات أنباء غربية، منها بلومبيرغ الأمريكية وكتبت مقالا عنونته ب”حفتر يواصل الجهاد”، وأشارت فيه إلى دلائل المصطلح -الذي لا يخف عليها- عند المسلمين فوضعت اللفظ بين معقّفين، فهي تعلم معاني الكلمة عند المجموعات الإرهابية التي ضربت ديار الغرب للتشفي من الأعداء وتصفية الخصوم، كتنظيمي القاعدة وداعش.
وذلك ما ظل منهجا جديدا عند قوات حفتر في توظيفها للمصطلح بهدف القضاء على المعارضين السياسيين، وهو تماما، نفس النهج الأول في تفسير مكافحته للإرهاب، حتى يخلو له الجو وحيدا للسلطة.
وطالما كان موضوع الجهاد، أمرا دينيا بحتا، فإن حفتر يعلم أن استحضار المفهوم فقهيا لابد أن يكون بمخارج معينة، أبسطها أن يوظف أهل الاختصاص كذلك، وبذلك أصدرت هيئة الاوقاف التابعة له فتوى بجواز إفطار مقاتلي حفتر خلال شهر رمضان من أجل “التقوي على الجهاد”.
وبررت الهيئة فتواها على ما أخطر من الفتوى نفسها، فاعتمدت على حديث مسند للرسول الكريم سمح فيه لمقاتليه بالإفطار وهم يقتلون المشركين، ثم على النقل عن ابن تيمية أنه افطر في قتال التتار وأفتى للمقاتلين بالفطر، وهذا يطرح أسئلة عدة عن خبايا فتوى هيئة حفتر.
لكن الأخطر من توظيف الجهاد، هو تكفير المسلمين واستباحة دمائهم، فقياس الإفتاء يخفي ضمنا بالضرورة، فكيف والفتوى كذلك، لأهل طرابلس أن لايفهموا أنهم كفار ومشركين وتتار، ؟! بعد فشل حفتر في إقناع قواته أن مواطنيهم في طرابلس إرهابيون، وهذا توظيف كبير وخطير، وهو منها براء، لمعاني الجهاد السامية والمعلومة.
كذلك، ثمة جانب آخر لا يمكن إغفاله دون التنبيه إليه، وهو الهوية المدخلية التي تحلل القتل كيفما كان، القائم على تكفير الخصوم واستحلال رقابهم، وبالتالي تحويل ديار الإسلام فوضى عارمة بحجة “يحق فيها الجهاد”.
وبناء على ذلك، فإن تلك الديار لم يدخلها الإسلام بعد، وبالتالي وجب فتحها، أو كما يقول أنصار حفتر “سندخلها فاتحين” أي العاصمة طرابلس، من هنا نفهم سبب تسمية حفتر لعمليته على طرابلس ب”الفتح المبين”، وهي التي تبين أنها لعبة لا يمكن قراءتها سايق إقليمي وفرنسي تحديدا، تجعل من حفتر لعبة بيد وكلاء خارجيين يديرون الشأن المحلي الليبي .
كلها تدخلات تسعى للقضاء على حلم إقامة الدولة الوطنية المدنية التي أسس لها فبراير وقدم من أجلها النفس والنفيس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

القاضي أحمد الرحموني: المظاهرات الشعبية.. من يستمع اليها!؟

تونس – السفير بقلم: القاضي احمد الرحموني من الواضح ان المعطيات الواردة سواء من جهات …