تونس – السفير – ظافر بالطيبي

منذ الزيارة الأخيرة للرئيس قيس سعيد لباريس ومشاهدة التونسيين لتلك القبلات المهينة منه لكتف الرئيس الفرنسي ماكرون، بدأت استفهامات عديدة تحيط بمؤسسة رئاسة الدولة وإطاراتها وبعض التصريحات والمواقف الغريبة التي بدت مناقضة كليا للحملة الانتخابية الرئاسية لقيس سعيد التي قامت على شعار “التطبيع خيانة عظمى”..

فقيس سعيد الذي خاض حملة انتخابية صامتة ومريبة، وفاز بالانتخابات اعتمادا على رصيده التعليمي ونزاهته في مسيرته المهنية كأستاذ تعليم عال، كان حريصا على دغدغة عواطف الشعب التونسي من خلال القضية الفلسطينية وهو يكرر مرارا أن التطبيع خيانة عظمى. ولكن بعد مسكه زمام الأمور بأسابيع بدت بوصلة مؤسسة الرئاسة تجنح إلى اتجاهات أخرى مريبة وغير مفهومة.

فالرئيس الغامض انقلب فجأة على نفسه وانقلب على أقرب أصدقائه وتعييناته الأولى فشهد فريقه استقالات عديدة مقابل تعيين نادية عكاشة التي لم تكن معروفة من قبل مديرة لديوان. وكانت أولى زياراته للتعزية في السلطان قابوس الذي استقبل سنة 2018 أي قبل عامين من وفاته رئيس حكومة الكيان الصهيوني وكبار مسؤوليه الأمنيين والاستخباراتيين على رأسهم يوسي كوهين رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي.

ثم كانت مشاهد تقبيله لكتف ماكرون المهينة والتي صدمت الشارع التونسي وأزعجزت جزءا كبيرا من أنصاره وأحرجتهم، سرعان ما لحقها تصريحه الغريب بأن تونس لم تكن تحت الاستعمار الفرنسي بل كانت تحت الحماية وهو ما أثار موجة غضب ضدّ الرئيس متقلب الميزاج والمواقف. ثم اصطف قيس سعيد المسؤول الأول عن الدبلوماسية الخارجية في الصف الفرنسي وتبنى رؤيتها فيما يتعلق بالقضية الليبية والتدخل التركي في الجارة الشقيقة. ولكن المحور الفرنسي الإماراتي سريعا ما انهزم في ليبيا ورجحت كفة المحور التركي والأمريكي والقطري والأممي ضد محور فرنسا مصر الإمارات وروسيا.

من حينها مازال الرئيس لا ينفك من إثارة الزوابع والمشاكل في الساحة السياسية الداخلية والساحة الدبلوماسية الخارجية. فناهيك عن قلة اتصالاته الدولية وعلاقاته الخارجية وندرة زياراته كرئيس دولة طيلة عام ونصف، تعامل الرئيس مع الأحزاب والبرلمان بنوع من التجييش والتحريض والغلضة. وجعل عديد القوى الانقلابية تتحرك باسمه وتجعل من برامجه وصورته شعارا لها دون أن يتدخل في ذلك وكأنه موافق بصفة غير مباشرة على كل ذلك.

من ناحية أخرى بدت الكواليس والأسرار في الانكشاف بعد التسريبات الأخيرة وتصريحات بعض السياسيين بخصوص مشاورات تشكيل حكومة الجملي وحيثيات استقالة رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ الذي يبدو أنها أرغم عن الاستقالة كي يتسنى لرئيس الدولة تسمية بديل له بعد أن تم سحب الثقة منه برلمانيا. وهو إن صح الأمر وهو الأرجح فضيحة مدوية لرئيس بنى صورته لدى ناخبيه على المصداقية والنزاهة ونظافة اليد.

أما عن فضيحة التلاقيح الإماراتية والرسالة المسمومة المجهولة الغامضة فتلك سقطات أخرى كبيرة وقاتلة وقعت فيها المؤسسة السيادية الأولى في البلاد سوف تنكشف ملابساتها وكواليسها قريبا. وذلك غير رفضه قبول وزراء التحوير الوزاري الأخير الذين صادق عليهم البرلمان لآداء اليمين الدستورية واشتراطه استقالة حكومة المشيشي التي جاء برئيسها هو كما جاء من قبلها بالفخفاخ الذي أخرجه بدوره من الباب الصغير عقب فضيحة قضية تضارب المصالح.

ولعل آخر “شطحات” رئاسة الجمهورية ونجمتها مديرة الديوان التي تحوم حولها “اتهامات” و”إشاعات” عديدة آخرها سفرها إلى روما من أجل مقابلة عناصر من المخابرات الإماراتية أو غيرها، فهي الزيارة الأخيرة للجارة ليبيا حيث غاب وزير الخارجية وحضرت عكاشة في مقابلة وزيرة الخارجية الليبية، وهي التي قيل عنها من قبل أنها أطردت وزير الخارجية السابق نور الدين الري من باب القصر ثم تسببت في إقالته، إلى جانب سفيري تونس لدى الأمم المتحدة.

ما يدفعنا إلى التساؤل عن حقيقة دور نادية عكاشة في القصر الرئاسي وهي المتهمة بعلاقتها القوية و”المريبة” بفرنسا حتى أن بعض الصفحات ألمحت إلى تعيينها في موقعها من قبل السفارة الفرنسية في تونس بسبب قربها من دائرة حكم الإيليزيه والنخبة المحسوبة على فرنسا في تونس. كما لابد أن نتساءل عن دور فرنسا في هذه الزيارة ونحن نعرف أن الموقف الرسمي لرئاسة الدولة مصطف تماما مع موقف ماكرون إزاء اللاعبين الدوليين في ليبيا، خصوصا بعد الزيارة الخاطفة والسريعة يوم أمس لوزير الخارجية التونسي إلى فرنسا وكذلك المكالمة التي تلقاها قيس سعيد من الرئيس ماكرون وتناول فيها زيارته الأخيرة لليبيا وكشفت عنها وكالات الأنباء الأجنبية بينما تجاهلها بيان صفحة رئاسة الجمهورية ؟

كل هذه الأحداث والقراءات يجعلنا نتساءل بجدية عن دور فرنسا في فرض رؤى ومواقف معينة على رئاسة الدولة، لاسيما أن هناك أقاويل من أن فرنسا هي الدولة التي دعمت سرا في الخفاء الرئيس قيس سعيد خلال حملته الانتخابية كما ورد في شهادة أحد أعضاء حملته الذي أسس مؤخرا حزبا جديدا يحمل نفس عنوان شعار سعيّد “الشعب يريد”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

وانهزم الجمهور التونسي أمام منتخب أستراليا..

تونس – السفير – ظافر بالطيبي صحيح أن المنتخب الأسترالي في المرتبة 38 عالميا، و…