تونس – السفير – أبو سلمى

لم يكد العالم يتعافى من تأثيرات جائحة كورونا التي مازالت إرهاصاتها إلى يومنا هذا، حتى باغتته جائحة اجتياح أوكرانيا من قبل روسيا، التي سرعان ما بدأت تداعياتها الدولية تظهر وتزداد حدّة وخطورة يوما بعد يوم لاسيما على المستوى الاقتصادي. فالعالم اليوم بات أشبه بقرية صغيرة نظرا لعدة عوامل أهمها التطوّر الكبير في تكنولوجيا الاتصالات والمواصلات، ما جعل فارق التوقيت في جميع دول العالم يصبح بضع ثوان بدل ساعات..

حرب “عالمية” اقتصادية

لم يتأخر الغرب كثيرا ليعلن حزمة ردود حازمة على الاجتياح الروسي لأوكرانيا الطامحة لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي ومقعد بين دول حلف شمال الأطلسي “الناتو”. وكما كان متوقعا استعمل الاتحاد الأوروبي وأمريكا وحلفائها السلاح الأكثر تأثيرا في العالم وهو السلاح الاقتصادي لمحاصرة روسيا وإضعافها وإجبارها على تغيير خططها المزمع تنفيذها خلال العمليات العسكرية الحالية بأوكرانيا.

تتالت العقوبات وتنوعت بين تجميد أصول مالية لعدد من المسؤولين الروس على رأسهم بوتين وكبار داعميه ومساعديه، إلى جانب استبعاد عدد هام من بنوك روسيا من نظام “سويفت” أهمها بنك “سيبر بنك” مما سيؤثر بصفة واضحة على التجارة الخارجية الروسية ومعاملاتها المالية الدولية ويؤدي إلى إفلاس عدد من المؤسسات المالية الروسية. كذلك غلق المجالات الجوية على الرحلات الروسية في نحو 36 دولة منها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. وهذا إضافة إلى تحريض كبرى الشركات الدولية على وقف معاملاتها مع موسكو وهو ما تم فعلا ولعل من أهمها شركات “شال” ومؤخرا “فيزا” و”مستركارد” وغيرها..

ولئن كانت هذه العقوبات مكلفة بصفة واضحة على الاقتصاد الروسي، إلاّ أنها في نفس الوقت مكلفة للاقتصاد الأوروبي والعالمي بصفة عامة. فروسيا تعد من أكبر منتجي النفط والغاز الطبيعي في العالم وتمتلك ثامن أكبر احتياطي نفطي في العالم وأوّل احتياطي عالمي من الغاز الطبيعي بنسبة 48،9 تريليون متر مكعب سنة 2020، وأول مصدّر للغاز الطبيعي بنسبة 199،9 مليار متر مكب سنة 2020. كما أنّها تصدّر نسبة هامة منه إلى أوروبا أهمها ألمانيا بنسبة 16 بالمئة وإيطاليا بنسبة 12 بالمئة وفرنسا بنسبة 8 بالمئة، بحسب النشرة السنوية الإحصائية لمنظمة أوبك.. وهو ما يعني أنّ الاتحاد الأوروبي بدوره سوف يتأثر بصفة واضحة من العقوبات الاقتصادية المسلطة على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا. ولعل ذلك ما يفسر الارتفاع الكبير والمتواصل لسعر النفط العالمي حيث لامس برميل النفط الخام سعر 140 دولارا ومرشحا بمزيد الصعود والارتفاع لمستويات قياسية الفترة القادمة لاسيما مع عدم وجود بوادر لانفراج الأزمة على المدى القريب.

كما أكّد مؤخرا صندوق النقد الدولي أنّ العقوبات المسلطة على روسيا سوف تكون لها انعكاسات وخيمة على الاقتصاد العالمي والمعاملات المالية.

بالإضافة إلى تعطل الإمدادات العالمية من القمح والذرة التي تعتبر أوكرانيا رابع مصدّر عالمي لهما. وكذلك روسيا التي تعّد أكبر مصدر عالمي للقمح. وقد بلغ إجمالي صادرات البلدين من القمح لسنة 2019 نسبة 25 بالمئة أي ربع الصادرات العالمية. وهو ما جعل السعر العالمي للقمح يقفز إلى مستوى قياسي بعيد بدء العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا ليصل 344 أورو للطن الواحد. وهو ما سوف تكون له انعكاسات دولية كبيرة على مختلف الصناعات الغذائية المعتمدة على هذه المنتوجات أهمها الخبز والطحين والزيت.

ما يعني عموما أنّ الحرب الروسية الأوكرانية الحالية والعقوبات التي سلطتها الدول الغربية على روسيا سوف تكون لها آثار مدمّرة على الاقتصاد العالمي والتي ستعاني منها بالأخص الدول الفقيرة والنامية والأكثر ارتباطا منها بالاقتصادات الغربية وروسيا وأوكرانيا.

أزمة اقتصادية مضاعفة في تونس

تعاني تونس بطبعها أزمة اقتصادية خانقة وغير مسبوقة جراء تراكم الديون واستحقاقات الميزانية للسنة الحالية في ظل أوضاع سياسية عطّلت المساعدات المالية الخارجية وأخرت بشكل ملحوض المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وقد زادت الحرب الأوكرانية أزمة الاقتصاد التونسي حدّة بسبب الانعكاسات المباشرة والغير المباشرة للحرب على محركات الاقتصاد التونسي.

فالارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي وصل إلى 119 دولار للبرميل الخام يوم الجمعة الماضي، يشكل كابوسا ماليا لتونس بسبب احتساب سعر 70 دولارا فقط لبرميل النفط في موازنة تونس المالية للعام الحالي. ويكلف زيادة دولار واحد في السعر العالمي عن السعر المعتمد في الميزانية تونس نحو 140 مليون دولار سنويا.

كما سيؤدي الارتفاع الكبير في أسعار النفط عالميا إلى ارتفاع أسعار العديد من المواد الصناعية والاستهلاكية إلى جانب الخدمات والنقل وغيرها ما سوف تكون له آثار جد سلبية على القدرة الاستهلاكية وسيؤدي إلى ارتفاع نسبة التضخم وانزلاق قيمة الدينار إلى جانب ارتفاع خدمات الدين. وقد رفعت الحكومة قبل يومين من أسعار بيع المحروقات ويؤكّد خبراء اقتصاديون في تونس أنّ الزيادة في أسعار المحروقات سوف تكون بصفة مطردة على مدى الفترة القادمة وقد تكون بصفة شهرية.

كما أن اعتماد تونس بشكل كبير على القمح الأوكراني بنسبة تقارب 48 بالمئة مقابل نحو 4 بالمئة بالنسبة إلى روسيا، سوف يؤدي إلى فقدان سوق إمداد مهم لتونس ما سيؤدي إلى البحث عن أسواق جديدة ستكون بلا شك أكثر كلفة. ناهيك عن الارتفاع الحاصل على مستوى سعر القمح عالميا ما سوف يضطر الدولة إلى الرفع من الأسعار فيما يخص منتوجات القمح اللين. بينما تعاني تونس بطبعها من توجه حكومي حالي لرفع الدعم عن المواد الأساسية على رأسها الخبز والدقيق والعجين، بضغوطات من صندوق النقد الدولي في ظل المفاوضات الجارية بين الطرفين لاستئناف إمداد تونس بأقساط قروض جديدة لخلاص ديونها وسدّ عجز ميزانيتها الحالية.

هذا إلى جانب التأثيرات الاقتصادية العالمية بسبب العقوبات المسلطة على روسيا وتداعياتها الدولية التي سوف تكون لها آثار مهمة على مستوى الاقتصاد التونسي لاسيما فيما يتعلق بالتجارة الخارجية والميزان التجاري الذي يعاني من عجز ملحوظ إلى جانب المجال السياحي حيث تستقدم تونس سنويا آلاف السياح الروس ومن أوروبا الشرقية لاسيما منذ 2020 حيث كان للسياحة الروسية دور مهم في إنقاذ السياحة التونسية من تداعيات جائحة كورونا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

همزة: تونس مُفردة في محل جرّ.. بفعل فاعل مبني للمجهول..

تونس – السفير – ظافر بالطيبي يقول اللغويون أنّ الحال دائما ما يكون منصوبا، إلا…