تونس – السفير – ظافر بالطيبي

لا خلاف اليوم في أن تونس تعيش أحلك مراحلها السياسية والاقتصادية منذ 2011، فإلى جانب أزمة جائحة كورونا وتبعاتها على الاقتصاد والمجتمع، وإلى جانب حالة الانهيار الاقتصادي المتفاقم بسبب عجز الحكومات المتلاحقة عن حل الأزمة من جذورها، تشهد الساحة السياسية لأول مرة حالة من التطاحن والصراع العلني بين رؤوس السلطة الثلاثة أو بالأحرى بين رئاسة الدولة من جهة ورئاستي البرلمان والحكومة من جهة أخرى بلغت ذروتها بعد رفض الرئيس قيس سعيد قبول وزراء التحوير الحكومي الأخير لآداء اليمين الدستورية بقصر قرطاج كما جرت العادات والأعراف.

أزمة سياسية معقدة انطلقت من عدم قدرة مكونات المشهد السياسي الجديد منذ ما بعد انتخابات 19 عن تكوين حلف حكومي قوي وثابت قادر على تسيير دواليب الدولة وتفادي الصراعات السياسية والحزبية والضغوطات الأجنبية والخارجية.

في هذه اللحظة التاريخية وبعد انسداد أفق الحوار والتوافق بين مختلف الفرقاء، قررت حركة النهضة الخروج للشارع والنزول بثقلها للتعبير عن رؤيتها تجاه الأزمة شعبيا وسياسيا وإعلاميا. وذلك رغم الانتقادات الواسعة لهذه الخطوة حتى من قبل بعض قيادات الحزب ذاته لأسباب عديدة ترجع أساسا لمقاربات مختلفة في قراءة الواقع المأزوم ومخرجاته المتوقعة رغم كل محاولات رأب الصدع وفتح قنوات الحوار من هنا وهناك كانت، آخرها رسالة رئيس البرلمان راشد الغنوشي للرئيس سعيد لم تلق أي نوع من التجاوب.

نزلت حركة النهضة بكل ثقلها الشعبي في مسيرة حاشدة قاربت أو فاقت المئة ألف مشارك ملأت شارع محمد الخامس بالعاصمة، وهي مسيرة تعجز كل الأحزاب والمكونات السياسية وحتى العمالية والنقابية في البلاد عن تقليدها، ولعل ذلك كان سبب الرفض الكبير للمسيرة منذ أن تم الإعلان عنها. فلا أحد قادر على الحشد وتعبئة الساحات والميادين اليوم مثل حركة النهضة ولا غرابة في ذلك فهي حركة تاريخية وإيديولوجية بالأساس وهي الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات الأخيرة رغم تراجع شعبيتها على خلفية الأزمات التي عصفت بالبلاد منذ توليها الحكم فعليا بداية 2012.

الحشد النهضاوي الأخير، رغم كل ما قيل فيه، إلا أنه حشد يعكس امتداد الحركة العميق في البلاد وحفاظها على الحد الأدنى من الأنصار والأتباع رغم كل المطبات والأخطاء والهفوات والدسائس والمؤامرات. إلاّ أنّ هذا الوزن الشعبي التعبوي لا يعكس وزنها السياسي في الحكم وإدارة البلاد. فالنهضة رغم حصولها على المرتبة الأولى في الانتخبات الأخيرة إلا أنها لم تحكم فعليا ولم تتمكن من إدارة البلاد إلا في إطار تحالفات وتوافقات ضيقة ومضطربة وغير مستقرة كان آخرها تجربة حكومة الفخفاخ التي فشلت قبل حتى أن تولد وتخطو أولى خطواتها في إدارة دولة متأزمة في أصعب لحظاتها الداخلية والخارجية.

ففعليا لم تحكم حركة النهضة البلاد ما عدا في سنتي 2012 و2013، وقد حصل فيهما أخطر الأزمات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي مرت بها تونس من إرهاب واغتيالات وإضرابات واختلاق للأزمات مع تكالب إعلام منفلت بات ولاؤه للمال بدل النظام السياسي الدكتاتوري المنهار. أما بعد تلك الفترة إلى اليوم ففد بقيت النهضة في الحكم إلا أنها لم تحكم كليا فكانت إما جزءا ديكوريا منه أو جزءا تشاركيا نسبيا تقنيا أكثر منه سياسيا. ما جعل قيادة الحركة تنكب على تجاوز العقبات والأزمات الضيقة والصغرى والحفاظ على مصالح الحزب وأصحابه وبقائه واستمراريته، بدل مصالح البلاد والمجتمع وحل أزماته المتراكمة.

وفي كل الحالات، سواء تمكنت النهضة من الحكم فعلا أو حكمت بعض الوقت أوشاركت في الحكم من عدمه، فإن الحزب وقياداته يتحملون جزءا من المسؤولية السياسية والأخلاقية عما آلت إليه البلاد والأوضاع اليوم. وهو واقع يستوجب الكثير من المصارحة والشفافية. مصارحة الشعب بكل التفاصيل والأسباب التي أدت إلى ما هو علي الحال اليوم. كما لابد من الحوار الداخلي قبل كل شيء لتجاوز الأزمات الذاتية ثم الحوار مع مختلف المكونات وبذل الطاقة في استيعاب الآخرين وقبول انتقاداتهم وحتى تحاملهم في بعض اللحظات السياسية والتاريخية.

لابد للحزب الذي مازال يحتفظ بوزن شعبي مهم وفاعل أن يكون على قدر المسؤولية قبل كل شيء وأن لا يغتر بالشعبية والشرعية، وأن يتجاوز أخطاءه ويراجع قراراته وخياراته وسلوكاته على مدى السنوات الماضية، كي ينهض بنفسه أولا، ويكون عند ثقة ناخبيه، لعله يكون قادرا على النهوض بالبلاد من القاع الذي وصلت إليه بسبب الأخطاء الذاتية والداخلية وكذلك بعض الضغوطات والتدخلات الخارجية التي تريد تأبيد الأزمة وإطالة زمنها لأن أطرافا أخرى تعمل على الحفاظ على نفوذها أو إدارة حلبة صراعات خارجية بالوكالة على الأرض لمزيد التحكم في قواعد اللعبة وجني ثمارها الاقتصادية والسياسية والثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

اليونان تغازل السلطة الليبية الجديدة من أجل إلغاء اتفاقية تركيا.. ولكن.. !!

تونس – السفير – بقلم محمد ضيف الله واضح من خلال الزيارة الاخيرة لرئيس وزراء ال…