تونس – السفير الدولي
بقلم: هشام العيثاوي (كاتب وناشط سياسي عراقي)
في بداية حياتي الأكاديمية كنت أسارع الى اعتماد وقراءة مايكتبه اي باحث غربي لأنني كنت تحت تأثير الانطباع السائد في أرجحية الفكر الغربي.
ولكنني منذ ان بدأت أقرأ مقارباتهم وتحليلاتهم لما يجري على الساحة أدركت انني كنت على خطأ،فمن الفجيعة ان تجد باحثا مرموقا له مكانته في مراكز البحث يركن الى اعتماد المقاربات السطحية في القول ان الارهاب المزعوم يعود الى الفقر او الى نقص التعليم،وهو يدرك تمام الادراك ان اغلب الاستشهاديين ينتمون الى عوائل تمتلك امبراطوريات مالية، وان الغالبية منهم يحملون تخصصات علمية من أرقى الجامعات عالميا، ولهذا أقول كلا ايها السادة فان تشي غيفارا لم يكن جاهلا حين ثار على الظلم حتى وان لم يكن مسلما وكارلوس الفنزويلي الذي قطع الاف الاميال ليلتحق بالثورة الفلسطينية لم يكن جاهلا، وجورج دانتون الذي كان من ابرز زعماء الثورة الفرنسية لم يكن مسلما ولا كان جاهلا بل انه كان محاميا وخطيبا ومثقفا ومع ذلك قال عبارته الشهيرة ” لنكن مروّعين كي لايصبح الناس كذلك”…
وهكذا تدحرجت الرؤوس،فبين أيلول عام 1793 وآب من عام 1794 تم قطع أكثر من ستة عشر ألف رأس، فهل شوّه هذا العنف سمعة الثورة التي لازال الناس يتغنون بها باعتبارها الثورة التي غيرت وجه التاريخ؟ لقد أجمع كل المؤرخون على انه من دون ذلك العنف لا يمكن للأمة ان تتغلب على النظام القديم أو نيل الحرية،حتى قيل ان الثورة الفرنسية هي نهر دم روى عطش أوروبا للحرية…! ولكن العالم يصبح أعوراً حين يتعلق الأمر بالعرب والمسلمين حتى ولو رفعوا أكاليل الزهور والياسمين ..
إنه الظلم ايها السادة هو الذي جعل الناس تبحث عن مشاريع للخلاص وتستدعي التاريخ ،ففي غياب اي ضوء في آخر النفق لم تعد الامة تثق بكل الشعارات التي سقطت في الاختبار بالضربة القاضية، وكان غزو العراق وما حمله من دعاية لرسالة الرجل الابيض والحرية،كان القشة التي قصمت ظهر البعير واعلنت نهاية اسطورة القيم الاخلاقية للحضارة الغربية التي كان العالم مفتونا بها اثناء سني الحرب الباردة.
وهكذا سقطت كل الايديولوجيات وفقدت النخب الثقافية في الشرق والغرب مشروعيتها الاخلاقية، ورافق ذلك انكشاف المؤسسات الدينية التقليدية على امتداد العالم كونها لم تفعل اكثر من أن تكون شاهد زور على جرائم الاقوياء تكتفي بالبحث عن مبررات زائفة لتشريع تلك الجرائم.. نعم ايها السادة لسنا ممن يكرهونكم ولكنكم جعلتمونا نكره انفسنا قبل ان نكرهكم ،كرهناكم لأنكم جعلتم الطغاة يمتطون ظهورنا وسياطهم لم تبق فينا سوى آثار العذاب الذي جعلنا نفقد آدميتنا..
ففي وقت تقيمون المهرجانات لأجمل قطة وتتسابقون في حماية الحيوان وترحمون ضباع البرية ،يتسلى المارينز باهانتنا وقتل انسانيتنا ،حتى صار البعض يتمنى الموت وكأنه حلم بعيد المنال ،صار يتناوب علينا الجلادون مما لانعرف لهم جنسية ولا لغة،نكرهكم لان موتانا بالجملة لايحتلون سوى ارقاما على شاشات الاخبار .و منذ عصر اجدادكم الروم الى يومنا هذا لم تكن بلداننا سوى ممر للغزاة،فلم نقرأ في التاريخ سوى اسماء الغزاة الذين تناوبوا علينا ،حتى ان اكثر الطلبة ذكاءا واجتهادا يكاد يفشل لو سُئِل عن اسماء الغزاة وتعدادهم وارقام قتلانا ومقابر اهلنا ،فماذا ننسى كي ننسى ،وبأي من الشهداء وبأي دم نسامحكم ، وكل شبر في ارضنا يحكي قصة شهيد قُتل ظلما بلا ذنب سوى انه يحمل جينات دم عربي …
لأنكم لم تعاملوننا كبشر فكيف تريدون لنا ان تكون ردود افعالنا حضارية ؟ لأننا أدركنا أخيراً اننا نعيش في عالم ظالم لايحترم ضعيفا ولا ينتصر لمظلوم، رفعنا اغصان الزيتون حتى ذبلت، وتغنينا بأناشيد السلام حتى بحّت اصواتنا وطرقنا أبواب الأمم فلم نكن سوى ايتام على مائدة اللئام، فادركنا ان مانعيشه اليوم ليس سلاما بل هو استسلام القطيع خوفا من العقاب.
ليس أماناً ولاسلاماً ،بل انه خضوع القطيع خشية بطش السلطان والأمريكان وترهيب الرعية من صاحب الصولجان، ان السلام المزعوم ماهو إلاّ توازن الرعب بين الأقوياء، نعم الأقوياء تصالحوا ولكن على جثث الفقراء، عقدوا صلحا وأمانا بينهم جعل طاحونة الحرب الخفية تدور ووقودها دماء المستضعفين والبؤساء فتسحق عظام والفقراء.. إنه ليس سلامنا كي ندافع عنه…!!! فقد أدركنا ان عالم اليوم لاتحكمه شرعية أخلاقية، فالقانون هو الكذبة التي اخترعها الأقوياء كستار لحماية الظالمين من المساءلة، وضمان خنوع القطيع عبر سلسلة من الآليات التي تجعل العبودية ترتدي لباساً شرعيا، وتمنع العبيد من الخروج على أسيادهم،أدركنا ان القوة هي القانون الذي يبدل ثيابه ويختفي وراء أجمل العناوين ولكنه سيفاً على رقاب الشعوب الفقيرة، فقانونهم لايحمي الضعيف بل يشرعن للأقوياء جرائمهم… وسيبقى القانون حصناً يحتمي به الاقوياء في دورة الظلم التي لاتنتهي ولاعزاء للفقراء،أما الديمقراطية التي تبشرون بها فهي الجريمة الأكثر بشاعة على مر العصور،لأنها تشريع للإستبداد وتقنين الإستعباد عبر خرافة صناديق الإقتراع،هي فن إدارة اللعبة بين الكبار وما الجمهور سوى شهود زور، عليهم توقيع صك عبوديتهم للأقوى.. الديمقراطية هي مباراة بين الظالمين يتم في نهايتها منح القطيع حق إختيار الجلاد من بين الفائزين..!!!وسأخاطبكم بلغة الصهاينة لانهم في منأى عن تهمة الارهاب فأعيد ماقاله شاعر اليهود القومي” نحمان بياليق” חיים נחמן ביאליק” حين قال: أنا أيضا ً مثل هتلر أؤمن بفكرة الدم ” ودعا في قصيدته (آخر موتى الصحراء) يهود الشتات إلى عدم الالتفات إلى الضعفاء منهم و الاستمرار في السعي لتحقيق الهدف…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

القاضي أحمد الرحموني: المظاهرات الشعبية.. من يستمع اليها!؟

تونس – السفير بقلم: القاضي احمد الرحموني من الواضح ان المعطيات الواردة سواء من جهات …